سورة البقرة | حـ 125 | آية 113 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 125 | آية 113 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يحذرنا القرآن من إطلاق الأحكام على الآخرين كما في قوله تعالى: "وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب".
  • يرشدنا القرآن للتمسك بصحيح المنقول وصريح المعقول، فلا يمكن أن يتعارض صحيح المنقول مع صريح المعقول لأن كليهما من عند الله.
  • عندما تغيب الأسس المشتركة بين المختلفين ولا يتمسكون بالبرهان والإنصاف، يقع الصدام بينهم ويؤدي إلى إبادة الشعوب.
  • القرآن يعلمنا عدم الخوض في الصدام، بل ترك الحكم لله: "فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون".
  • المسلمون طبقوا هذا المنهج القرآني فلم يبيدوا الشعوب ولم يقيموا محاكم تفتيش ولم يكرهوا الناس على الإسلام.
  • ظلت الشعوب غير المسلمة تمارس دينها في ظل الحكم الإسلامي من طنجة إلى جاكرتا، مما جعل التاريخ الإسلامي نظيفاً.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية التنازع بين اليهود والنصارى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، ومع قوله تعالى:

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [البقرة: 113]

إذ يحذرنا ربنا من هذا الإطلاق؛ فقالت اليهود: ليست النصارى على شيء. هذا القول مطلق، فيقول لي [ربنا]: ليس كذلك.

التحذير من الإطلاق في الأحكام وضرورة التمييز بين الكل والبعض

انظر، أنا عوّدتك طوال السورة [سورة البقرة] أن:

﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ [البقرة: 109]

إلا قليل. وهكذا يقول لي [ربنا]: ليس الكل كذلك. عوّد عقلك على أن تدرك الحق على ما هو عليه.

رقم اثنين: لا تهرف بما لا تعرف.

رقم ثلاثة: لا تتخذ إلهك هواك أبدًا.

ببرهان؛ لا بد عندما تتكلم أن تتكلم ببرهان وإنصاف.

التفكير المستقيم قائم على البرهان والإنصاف لا على الدعاوى الباطلة

يبقى التفكير المستقيم حدّه البرهان والإنصاف، وإلا كان القول عاريًا عن الصحة، وكان محض دعوى وزعم كثيرًا ما يخالف الواقع.

فإذا تمسكنا بالإنصاف لا نطلق الكلام على عواهنه، ولا نهرف بما لا نعرف. وإذا تمسكنا بالبرهان تمسكنا بالحقائق لا الأوهام.

مناقشة إطلاق اليهود والنصارى أحكامهم على بعضهم البعض بلا برهان

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ﴾ [البقرة: 113]

كذلك هو بالإجمال كذلك.

﴿وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ﴾ [البقرة: 113]

مطلقًا، كذلك هو. ألا نتناقش هذا الكلام؟ هذا القرآن من غير نظر إلى تاريخ، إلى آراء، إلى زمن دون زمن، إلى مكان دون مكان.

القرآن الكريم يعلو على كلام المفسرين ويدل على إعجازه الدائم

القرآن هو الذي أمرنا الله أن نتدبره، والذي كلما تكلم المفسرون فيه كان أعلى من كلام المفسرين؛ فدلّ كلامهم على إعجازه.

كلما نقرأ المفسرين نجد عبارتهم ضيقة هكذا، وكلما نقرأ هنا [في القرآن] التي هي واسعة وغير راضية أن تضيق.

أنواع البرهان ومطالبة أهل الكتاب بالدليل على دعاواهم

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [البقرة: 113]

أين البرهان؟ البرهان قد يكون من العقل، قد يكون من النقل، قد يكون من الحس والتجريب، وقد يكون من الوضع [أي الاصطلاح]. فأين البرهان؟ لا يوجد برهان.

قال [الله لهم]: حسنًا، ألستم تتلون الكتاب؟ والكتاب هذا فيه قضيتان: النقل والعقل، ولا يمكن لصحيح منقول أن يتعارض مع صريح معقول، لا يمكن.

صحيح المنقول وصريح المعقول كلاهما من عند الله فيتطابقان دائمًا

لماذا لا يتعارضان؟ لأن صحيح المنقول من عند الله، وصريح المعقول من عند الله، وكلاهما صادر من مصدر واحد وهو الله؛ فيتطابقان.

فصحيح المنقول دائمًا وأبدًا يتطابق مع صريح المعقول. أين صحيح المنقول وأين صريح المعقول في كلامكم؟

إرشاد الله لنا بالتمسك بصحيح المنقول وصريح المعقول وتصحيح الفكر

إذن يرشدنا نحن إلى ماذا؟ يرشدنا نحن إلى أن نتمسك بصحيح المنقول وصريح المعقول؛ لأنه يقول لهم، ينعى عليهم: لقد خرجتم عن صحيح المنقول وعن صريح المعقول.

فما معنى ذلك؟ أنا لا ألتفت إلى الآخرين كثيرًا، أنا أريد أن أبدأ بنفسي ثم بمن أعولهم. أريد أن أصحح فكري أنا.

ماذا تريد مني يا ربي؟ قال [الله]: الذي أريده منك أن تحافظ على صريح المعقول وصحيح المنقول.

الفرق بين الذين يعلمون بالبرهان والذين لا يعلمون ويتبعون الأوهام

كذلك قال الذين لا يعلمون، أليس كالذين يعلمون؟ يقولون ماذا؟ يقولون بصريح المعقول بصحيح المنقول وصريح المعقول.

والذين لا يعلمون [يتبعون] أوهامًا، انطباعات، رغبات، مرادات: أنا أريد، أنا ربما، أنا أحب.

كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم.

غياب الأسس المشتركة بين العقلية العلمية والعقلية الخرافية يؤدي إلى الصدام

حسنًا، وبعد ذلك في هذه الورطة، إذا كانت الأسس ليست مشتركة: عقلية علمية، [مقابل] عقلية خرافية أسطورية.

عقلية تحرص على صحيح المنقول فتنشئ له علومًا كعلوم القراءات وعلوم السنة، أكثر من عشرين علمًا: علم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، وعلم الدراية، وعلم الرواية، وعلم... وبعد ذلك وصحيح المعقول ويحافظ عليه ويجعله نسقًا مفتوحًا ومستعد أن أنا أناقش حتى النهاية.

مع عكس ذلك [عند الطرف الآخر].

انعدام المشترك بين الحضارات يؤدي حتمًا إلى الصدام والإبادة

هذا ينتج عنه ماذا؟ قال: ينتج عنه أنه لا مشترك بينهما. أنا لست مشتركًا مع أحد، صارت [أنا] مشرقة وصرت [هو] مغربيًا، شتان بين مشرق ومغرب.

ماذا سيحدث؟ قال: أنتم مع بعضكم البعض، أي في أرض واحدة. قالوا: نعم. لا يوجد مشترك. قال له: لا. قال: إذن الصدام على الفور، لا بد من الصدام.

لماذا؟ قال: ما أنا لست أفهمه ولا هو يفهمني، فما مشترك بيننا وبينهم حتى نتعاون فيه؟ فسيحدث اصطدام.

صدام الحضارات وإبادة الشعوب نتيجة غياب القواسم المشتركة تاريخيًا

ولذلك عندما حدث هذا الصدام بين الحضارات رأينا أقوامًا يبيدون أقوامًا؛ فذهبوا مبيدين الهنود الحمر، أبادوا الزولو في أفريقيا، أبادوا سكان أستراليا الأصليين؛ لأنه لا يوجد مشترك فأبادوهم.

حكم الله يوم القيامة فيما اختلفوا فيه وترك الصدام لله

حسنًا، ماذا قال لي ربنا إذن؟ ما دام لا يوجد مشترك بينهم، ما دام ليس هناك مشترك، ذبحهم [أي أبادوهم]. عندما نرى [ماذا] يقول [القرآن]، ماذا يقول؟

﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113]

يعني اتركها لله. ماذا سأقول له وماذا يقول لي؟ ما هو ليس هناك فائدة؛ كثرة كلامه والهذيان الخاص به، وكثرة كلامه مع الهذيان على أسس لا يعرف صحيح المنقول ولا يعرف صريح المعقول ولا يعرف بالتجريب والحس.

النهي عن الصدام وتأجيل الحكم إلى يوم القيامة وأثره في سلوك المسلمين

فلا بد من الصدام. قال له [الله]: إياك أن تصطدم، اتركها لله، أجّلها إلى يوم القيامة.

فدخل المسلمون الأقطار فلم يبيدوا شعوبًا، ولم يفتحوا محاكم لتفتيش الآراء والأفكار والعقائد، ولم يُكرهوا الناس أبدًا على الدخول في الإسلام.

فظلت الهند بعد سيطرة المسلمين إلى سنة ألف مائة وستة وثلاثين أغلبهم هنادكة [هندوس]، وظل المجوس، بل هؤلاء النصارى واليهود ما بين طنجة وجاكرتا وغانا وفرغانا وإلى يوم الناس هذا.

المسلمون التزموا بحكم القرآن فكان تاريخهم نظيفًا مع الشعوب الأخرى

ماذا يعني هذا؟ أن المسلمين لما قرؤوا في كتاب ربهم، بعد ما بيّن لهم قوله:

﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [البقرة: 113]

التمسوه وأقرّوه في أنفسهم، وعاملوا الخلق به؛ فكان تاريخهم نظيفًا.

وإلى حلقة أخرى ولقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.