سورة البقرة | حـ 127 | آية 115 : 117 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 127 | آية 115 : 117 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • تحدث الله تعالى في سورة البقرة "ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله" مفتتحاً للمؤمنين آفاقاً واسعة.
  • جعل الله الأرض كلها مسجداً وطهوراً للمسلمين، متحرراً من قيود المكان، بخلاف الأديان الأخرى التي تربط العبادة بمعابد خاصة.
  • فرض الله خمس صلوات على المسلمين كافة، ويسر طهارتهم بالماء أو التراب، وهما أصل خلق الإنسان من طين.
  • المقصود من العبادة هو الصلة بين المخلوق والخالق، فالمسلم مع الله في كل مكان.
  • المسلم يتخلق بأخلاق الله الواسع العليم، فينظر إلى الأمور بنظرة واسعة متجاوزة للدنيا.
  • رد القرآن على من ادعى أن لله ولداً بقوله "سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون".
  • الأقرب للعقل أن الله واحد أحد فرد صمد، يقول للشيء كن فيكون، وليس كما ادعى اليهود والنصارى.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس والتأمل في سعة العبادة في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، ومع قوله تعالى وهو يفتح للمؤمنين آفاقًا جديدة واسعة رحبة، يقول ربنا فيها:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]

انظر الآن، فلم يربط المسلم في عبادته بمكان. يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا»

تجد في كثير من الأديان يقولون لك: يجب أن تذهب إلى المعبد، وهذا المعبد يجب أن يكون فيه شيء معين هو جزء من العبادة نفسها. أما هذا [الإسلام] فلا.

شمولية الصلاة لكل المسلمين والتحرر من قيود المكان والزمان

هذا [الإسلام] فرض خمس صلوات على كل [المسلمين]، سواء كانوا كبارًا أم صغارًا أم مرضى أم غير ذلك، جميع المسلمين. هذه الأولى.

وخمس صلوات ليست كافية، صلاة واحدة [لا تكفي]، قال: لا، هذا يجب أن تشغل كل وقتك لله. هذه الثانية.

قال له: فأين أصلي؟ معنى هذا أنني أجلس في المسجد دائمًا؟ قال له: لا، تحرر من المكان.

«جُعلت لي الأرض مسجدًا»

قال له: فكيف أتطهر؟ قال له: الطهارة بالماء أو التراب، وهما ضدان، لكن بهما تمام الخلق؛ فسيدنا آدم خُلق من طين الذي هو تراب وماء، فجعلهما مدخلًا للصلاة حتى تتذكر من أنت، فلا تتكبر وتطيع رب العالمين.

المقصود بالعبادة هو الصلة الدائمة بين المخلوق والخالق في كل مكان

﴿وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]

يبقى إذا المقصود بذكر الله والمقصود بالسجود له والمقصود بعبادته وطاعته هو هذا المعنى العظيم من الصلة بين المخلوق والخالق، وأنه حيثما تكون من غير نظر لمكانك فإنك لا بد أن تكون مع الله.

كن مع الله، أين؟ قال له: في كل مكان.

﴿فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]

لا يُقصد هنا بالصلاة ألا تصلي غربًا أو شرقًا؛ لأنه جعل لنا القبلة اتجاهًا ومقصدًا، وإنما يُقصد الصلة التي بينك وبين الله.

الصلة الدائمة بالله لا تنقطع وحجب الدنيا تمنع كثيرًا من الخلق عن إدراكها

هذه الصلة [بين العبد وربه] متى قال لك عنها؟ على الفور. ولماذا؟ لأنه:

﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 115]

هل يغيب ربنا عنك؟ هل تغيب أنت عن ربنا؟ هذه هي الصلة التي لا يفهمها كثير من الخلق.

يستغربون: أنتم ما لكم؟ أنتم مسلمون في أي شيء؟ يا أخي، ما أنا مع الله. ما أنت؟ لست فاهمًا. أنا مع الله. ما هو؟ ليس فاهمًا. ما هو؟ لم يعمل [بذلك]. ما هو؟ حُجب وتوجهت عيناه للدنيا، فلا يرى إلا الدنيا وجزئياتها وأحوالها ومصالحها، ولا يرى شيئًا سواها. والمسلم مع ربنا طالما أن الله واسع عليم.

التخلق بصفة السعة الإلهية وأثرها في نظرة المسلم للحياة والدنيا

فهذه قطعة [عظيمة]، انظر كيف يصف [الله] نفسه بأنه واسع، وأنت تتخلق بأخلاق الله فتصبح واسعًا أنت أيضًا؛ فتنظر إلى القضايا في سعة، وتنظر إلى الخلق في سعة، وتنظر إلى الأحداث في سعة، وتنظر إلى الأشياء في سعة.

ولذلك المسلم وهو لا يجد ما يأكل يدخل على القصور المنيفة فيراها فيقول: اللهم إن العيش عيش الآخرة، ما هذا ولا شيء، ما دام لم يدخل قلبك. اللهم إن العيش عيش الآخرة، يعني أنت لا تريد هذا.

قال: لا، أفتبيع دينك بهذه القطعة؟ قطعة الجوهرة الكبيرة هذه؟ قال له: ولا بهذا القصر كله.

قصة ربعي بن عامر مع كسرى ورسالة الإسلام في التحرر من بهرج الدنيا

وربعي بن عامر يدخل على كسرى فيقول له: ابدأ. فلما دخل على كسرى دخل هكذا وهو حافي القدمين وممسك برمح في يده.

قال له: ماذا تريد؟ قال له: نريد أن نُخرج الناس من ظلمات الدنيا إلى سعة الآخرة، من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، من الظلمات إلى النور، ومن الضيق إلى السعة.

ولم يُبهره إيوان كسرى؛ لأن الله واسع، فتخلقوا بأخلاق الله فأصبحت الحكاية لا تساوي عنده شيئًا، لا هذا ولا ذاك في شيء. بقي شيئًا على طبيعته هكذا شيئًا سهلًا. أفيعرف هذا أن يحقد؟ أيعرف أن يحزن على ما في يد الغير وتبقى عينه فيها أبدًا؟

الرد على من زعم أن لله ولدًا وتنزيه الله عن ذلك بالعقل والنقل

﴿وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: 116]

كيف اتخذ الله ولدًا؟ كيف يقول لك: والله ما نعرف، إن هذه الأمور فوق العقل، لا يمكن للعقل أن يدركها. نعم، صحيح المنقول صريح المعقول، لا يمكن للعقل أن يدركها، فلا تُلزمني بذلك.

لأنه لما صدر منه سبحانه وتعالى كتابه إنزالًا ووحيًا، وصدر منه ذلك الكون خلقًا، تطابقا.

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

لا يوجد سبحانه [تعارض بين خلقه وأمره].

تنزيه الله تعالى عن الولد وبيان عظمة صفة الأحدية والصمدية

انظر إلى الرد [القرآني]، ستدخل في نقاش، أين إذن؟ ما هو أصلًا المنهجان مختلفان. حسنًا، تقول له ماذا؟ تقول له: سبحانه!

﴿سُبْحَانَهُ مَا كَانَ يَنبَغِي أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 35]

﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]

رب العالمين متفرد في جلاله وجماله وذاته، لا إله إلا هو.

الإضراب القرآني في الرد على دعوى الولد وبيان ملكية الله لكل شيء

﴿وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَـٰنَهُ﴾ [البقرة: 116]

هكذا هو. بل قال لك، يقول لك: اتركك من [الكلام] الذي فات. بل هذه يقولون عليها ماذا؟ للإضراب، يعني ماذا؟ إضراب، اضرب على اللفائف هذا، اتركك منه. كان ربنا يقول لنا ماذا؟ اتركوا من هذه الحكاية.

﴿بَل لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ * بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 116-117]

ما هذه العظمة؟ هل محمد ﷺ يعرف أن يكتب هكذا؟ لا أعتقد ذلك. هذا كلام لا يصدر إلا من رب العالمين، هكذا هو.

الرد على اليهود والنصارى في دعوى البنوة لله وبيان أن التوحيد أقرب للعقل

انظر إلى العظمة سبحانه:

﴿بَل لَّهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَـٰنِتُونَ * بَدِيعُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 116-117]

﴿وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة: 30]

رد عليهم وقال لهم ماذا؟ قال له: كيف؟ يعني هذه مخلوقات ربنا خلقها، قال: كن فكان.

أليس الأقرب إلى العقل أن ربك خالق وقال كن فيكون؟ ولا الأقرب إلى العقل هذه الأقوال التي نعاها ربنا سبحانه وتعالى؟ هذا هو الأقرب إلى العقل: أن الله واحد أحد فرد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.