سورة البقرة | حـ 128 | آية 118 : 119 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 128 | آية 118 : 119 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الله سبحانه لا يكلم البشر بالصفة التي يريدها كل أحد، لأن ذلك ينافي حكمة الابتلاء والاختبار في الدنيا.
  • قوله تعالى: "وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية" يصف الذين يجهلون صفات الخالق والمخلوق ومقاصد الخلق وترتيب العقول.
  • الله أراد للبشر أن يخرجوا من عقليات الأساطير والتوهمات والشعوذة إلى التفكر والتدبر والبحث.
  • هؤلاء يشبهون الذين سبقوهم في تفكيرهم وطلبهم للمعجزات المحسوسة، وقد تشابهت قلوبهم في منهج التفكير.
  • قد بيّن الله الآيات للموقنين الذين آمنوا بالعقل فاهمين للنص الشرعي لا منشئين للحكم الإلهي.
  • أرسل الله نبيه بالحق بشيراً ونذيراً، فقدّم البشارة على النذارة والترغيب على الترهيب إظهاراً لرحمته.
  • الناس لا تستقيم في عمومها إلا بالترغيب والترهيب معاً.
  • وظيفة الرسول البلاغ فقط، فهو لا يُسأل عن أصحاب الجحيم الذين لا ينفع فيهم التبشير ولا الإنذار.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس بالبسملة والدعاء والتمهيد لتفسير الآية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق، فاللهم اشرح صدورنا للحق وأيّدنا بمددٍ من عندك.

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾ [البقرة: 118]

لا يعلمون الحقائق، لا يعلمون ترتيب العقول، لا يعلمون مقاصد الخلق، لا يعلمون مآلات الأفعال، ولا يعلمون صفات الخالق والمخلوق؛ فقالوا: لولا يكلّمنا الله [مباشرةً].

الخلط بين الحس والوحي وحكمة الله في عدم تكليم البشر مباشرة

هناك خلطٌ ما بين الحسّ وما بين النقل والوحي؛ فالله سبحانه وتعالى لا يكلّم البشر بهذه الصفة التي يريدها كل أحد، وإلا لآمن الناس جميعًا ولما كان هناك أيّ معنى للاختبار.

خلق الله الخلقَ من أجل أن يأمرهم، فيطيع بعضهم ويعصي بعضهم، ويدبّر كونه بين الطاعة والمعصية والخير والشر.

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]

لكن كون أنّ كل واحد يريد ربّنا أن يكلّمه، فيكون الله سبحانه وتعالى تابعًا لهواه وهو الخالق العظيم الذي خلق السماوات والأرض بقوله كن فكان.

عقلية طلب المعجزات الحسية والخروج من عقلية الخرافة والأساطير

وقال الذين لا يعلمون صفات الخالق والمخلوق ومآلات الأفعال ومقاصد الخلق:

﴿لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ﴾ [البقرة: 118]

يريدون أن يروا معجزاتٍ [حسّية]؛ عقلية الساحر الذي يقوم ببعض الشعوذة ويُخرج الكتكوت من القبعة، عقلية كهذه. والله سبحانه وتعالى أراد لنا أن نخرج من عقليات الأساطير والتوهّمات والسحر والتأثيرات والشعوذة، وأن نفكّر وأن نتدبّر وأن نتقوّى وأن نبحث وأن ننظر وأن نسير في الأرض.

تشابه أقوال الجاهلين عبر العصور وتبيين الآيات للموقنين

وقال الذين لا يعلمون: لولا يكلّمنا الله أو تأتينا آية [أي] معجزة، يعني كرامة.

﴿كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: 118]

تمامًا، فهذا شيء راسخ في عقلية الخرافة.

﴿تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118]

لقد أُنزلت لكم آيات وأنتم لا تنتبهون إليها. ما هي هذه الآيات؟ هي الآيات القرآنية؛ آيات جمع آية، فسمّى [الله تعالى] المعجزة الخارقة للعادة آية، وسمّى أيضًا هذه [الآيات القرآنية] آية. إذن كلمة آية معناها علامة ودليل.

بيان الآيات للمؤمنين الموقنين الذين أرادوا الحق بلا هوى

فلقد أُنزلت لكم الآيات وبيّنتها، لمن؟ للمؤمنين، للمحسنين، للراسخين في العلم، للذين أسلموا وجههم إلى الله، للذين آمنوا بالعقل فاهمًا للنصّ الشرعي لا مُنشئًا للحكم الإلهي، للذين عرفوا الحقّ لأنهم أرادوه من غير هوى ولا اتّباع ولا تقليد.

﴿كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَـٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118]

يعني تشابهت مناهجهم في التفكير؛ عقلية الخرافة.

﴿قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَـٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: 118]

موقنٌ بماذا؟ موقنٌ بمنهج الله الذي علّمنا إياه، بأنّ هناك برهانًا وبأنّ هناك قرآنًا وبأنّ هناك إنسانًا.

توضيح لغوي حول نصب الكلمات وتوازنها في السياق القرآني

وهكذا تقول لي: لماذا لم تُنصبها كي تتوازن مع بعضها البعض؟ هكذا لغة [العرب]؛ ربيعًا تقف على هذا القرآن، إنسان كذا وهي إنساننا، قرآننا، وهكذا [تتوازن الألفاظ في السياق].

إرسال النبي بالحق بشيرًا ونذيرًا ومعنى باء المصاحبة

﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [البقرة: 119]

يعني لا تُكلَّف إلا نفسك، إنما عليك البلاغ؛ يعني أنك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء.

إنا أرسلناك بالحقّ يعني مصاحبًا للحقّ؛ الباء هنا يسمّونها باء المصاحبة، ومعك الحقّ. إنا أرسلناك بالحقّ مصطحبًا معك [الحقّ].

من الذي في صحبته الحقّ؟ [هو رسول الله ﷺ]. والحقّ اسمٌ من أسماء الله [الحسنى]، والحقّ اسمٌ للحقيقة، والحقيقة سُمّيت بالحقّ لأنها من الحقّ ولأنها بالحقّ تكون سبحانه.

إنا أرسلناك بالحقّ، يعني بهذا الذي هو من عند الله، انظر كيف!

تقديم البشارة على النذارة وحكمة الجمع بين الترغيب والترهيب

بشيرًا: فهو المبشِّر والمبشَّر [به]؛ بشّر الأنبياء من قبلُ به، وهو يبشّرنا بالجنة. ونذيرًا: الترغيب والترهيب، فقدّم البشارة على النذارة، وقدّم الترغيب على الترهيب.

ولكنّ البشر لا تستقيم إلا بهما [معًا]؛ ليس كل البشر تستقيم بالترغيب، بل قد يزيدها الترغيب طغيانًا. ويسمّونها نفسية العبيد؛ تُرغّب العبد [فلا يستجيب]، من هذا لا فائدة منه، تجده أيضًا نفسيّته معوجّة.

حتى المتنبي يقول: لا تشترِ العبد إلا والعصا معه، يعني أي الترهيب معه، إنّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد. والآخر يقول: إن أنت أكرمت الكريم ملكته، وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا.

ضرورة الجمع بين الترغيب والترهيب وتقديم الرحمة في الدين

أكرمتَ [اللئيم] ترغيبًا، أهو [يستقيم]؟ وتقول له ستدخل الجنة وستعمل [الصالحات]، يقول لك: كذلك طيّب، أنا سأجعلها لك كلها معصية. لا، يبقى ذلك لئيمًا وليس كريمًا.

فلا تستقيم الناس في عمومها - وهذا دينٌ قد أُرسل للعالمين - إلا بالترغيب والترهيب معًا. لكنه قدّم الترغيب على الترهيب بيانًا لرحمته سبحانه وتعالى.

مسؤولية النبي في البلاغ وعدم تحمل وزر أصحاب الجحيم

﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَـٰبِ ٱلْجَحِيمِ﴾ [البقرة: 119]

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

ولذلك لا تُسأل عن أصحاب الجحيم، ولا تُسأل عن أصحاب الجحيم الذين لا ينفع فيهم التبشير ولا ينفع فيهم الإنذار.

ما عليك إلا البلاغ، ما عليك إلا أن تدلّ على الخير، ثم بعد ذلك الأمر لله. ألقِ حملك عن ظهرك وتوكّل على الله.

وإلى لقاءٍ آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.