سورة البقرة | حـ 129 | آية 120 : 121 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآية الكريمة "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" ويبين أنها دليل على إعجاز القرآن، فلم ترضَ طائفة من اليهود أو النصارى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- •رد الله على هذا الموقف بقوله "قل إن هدى الله هو الهدى" وهو منهج علمي متزن في مواجهة الرفض.
- •حذر الله من اتباع أهواء المخالفين بعد العلم الصحيح، وأن من يفعل ذلك يفقد ولاية الله ونصرته.
- •الخطاب وإن كان موجهاً للنبي فالمقصود به أمته وكل مسلم، وينبغي قراءة القرآن كأنه ينزل الآن ويخاطب القارئ مباشرة.
- •الذين يتلون الكتاب حق تلاوته ويؤمنون به يؤمنون بالله وبالنبي وبالقرآن وبمنهج الله العلمي.
- •من يكفر بهذا المنهج يخسر الحلاوة والجمال والنور في الدنيا، ويخسر نفسه في الآخرة.
- •القرآن يجمع بين التحذير والتبشير ويدعو الإنسان للرجوع إلى الله.
مقدمة الدرس وتلاوة آية من سورة البقرة عن موقف اليهود والنصارى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى وهو يعلمنا المنهج المستقيم في التفكير وفي الحياة وفي كيفية تسيير الدعوة إلى الله. يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة:
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]
معنى لن في الآية بين التأبيد والاستقبال عند الزمخشري وغيره
التعصب يجعل أنّ هناك - ليس هناك - رضا عنك عند الطائفتين الكبيرتين [اليهود والنصارى]، ولن ترضى عنك. و"لن" هنا يقول الزمخشري إنها للتأبيد؛ يعني لن ترضى أبدًا.
وغير الزمخشري يقول: لا، هذه "لن" يعني للمستقبل فقط وليس للتأبيد؛ يعني في مستقبل الأيام لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى.
الواقع يثبت صدق القرآن في عدم رضا اليهود والنصارى عن النبي
طيب، ربنا قال له هكذا فماذا كان الواقع إذن؟ كان ماذا؟ أن العالم كله من يهود ونصارى لا يرضى عن النبي صلى الله عليه وسلم. ما جاءت هكذا طائفة من اليهود ولا طائفة من النصارى ترضى عن النبي؛ لكي يقول لنا أحد مثلًا: إنه يا إخواننا هذه عندنا طائفة معتدلة ترضى عن النبي.
أبدًا، لا توجد طائفة ترضى عن النبي صلى الله عليه وسلم أبدًا. إذن الكتاب هذا من عند محمد صلى الله عليه وآله وسلم؟ هذا من عند الخالق الذي - إذن فإن هذا الكتاب ليس بمعجز [لو كان من عند بشر]؟ فما من أحد رضي.
شرط رضا اليهود والنصارى هو ترك الإسلام واتباع ملتهم
وما قال [الله تعالى]: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى" بل قال:
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]
أي تخرج من الإسلام وتتبع الملل [الأخرى]، وما إن يحدث ذلك حبيبي حتى تصبح حبيبهم على الفور.
فقل ماذا نفعل إذن؟ انظر التصرفات، انظر بناء النفسية: اخرج، اضربوهم بالحجارة والطوب؟ لا! قال:
﴿قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ﴾ [البقرة: 120]
كلمة بسيطة يا أخانا: هدى الله هو الهدى، ربنا يهديهم.
المنهج العلمي القائم على صحيح المنقول وصريح المعقول مقابل عقلية الخرافة
﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [البقرة: 120]
فهذا هو المنهج العلمي الذي نتحدث عنه: "من العلم"، هذا علم هكذا؛ صحيح المنقول وصريح المعقول. هذا العلم، أما غيره فيبقى هواءً، يبقى رأيًا، يبقى انطباعًا.
ها هو [القرآن] جالس يعلمنا، ها هي عقلية الخرافة وعقلية العلم، عقلية الخرافة وعقلية العلم في كل شيء تقريبًا. ها نحن جالسون نتحدث قليلًا فنجد أنفسنا أمامه [أمام هذا المنهج]. احذروا من عقلية الخرافة، الزموا عقلية العلم.
التحذير من اتباع الأهواء والانطباعات بعد مجيء العلم الرباني
﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]
الانطباعات [والأهواء] بعد الذي جاءك من العلم، المنهج [الرباني واضح]: ما لك من الله من ولي ولا نصير. هذا هو الضلال.
قالوا: لما خاطب [الله] رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاطبه في أمته؛ خاطبه يعني وكأنه هو منفذ أمته. فالكلام هذا سيدنا رسول الله منزّه عنه؛ لا يتبع أهواءهم ولا قابل لهذا الاتباع، لهذا الاتباع. هذا مصطفى مختار صلى الله عليه وسلم.
فما قصده [الله تعالى]؟ قصده أن يخاطب الكبير [والصغير] الذي معنا [من أمة محمد ﷺ].
اقرأ القرآن وكأنه نزل الآن ويخاطبك أنت شخصيًا
قالوا في موضع آخر: اقرأ القرآن وكأنه نزل الآن وأنت تقرؤه ويخاطبك أنت. ويقول لك:
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ﴾ [البقرة: 120]
عنك أنت! يعني يسلّي قلبك أنت.
﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [البقرة: 120]
الذي نعلمك إياه.
﴿مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: 120]
صفة الذين آتاهم الله الكتاب يتلونه حق تلاوته بالبرهان لا بالخرافة
﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِٓ﴾ [البقرة: 121]
تلاوته بالبرهان؛ ليس لديهم خرافة ولا أساطير.
﴿أُولَـٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [البقرة: 121]
أولئك يؤمنون بما نقول. أولئك يؤمنون به أي بمحمد [صلى الله عليه وسلم]، أولئك يؤمنون به أي بالقرآن، أولئك يؤمنون به أي بالمنهج الذي يوصل إلى الله.
قاعدة الضمير المطلق يرجع إلى المعلوم العظيم وأمثلة توضيحية
أولئك يؤمنون به، والضمير إذا أُطلق فإنه يرجع إلى معلوم عظيم. انتبه: إذا أُطلق يرجع إلى ماذا؟ المعلوم العظيم.
ولذلك تقول: "هي حرّ اليوم"، لماذا؟ هي من [هي]؟ الدنيا؟ طيب، "هي هذه ذاهبة إلى أين؟" على أساس أن هذا ضمير، والضمير هذا يرجع إلى معلوم عظيم.
"هي كم الآن؟" فتقول له: الساعة الواحدة. هي من [هي]؟ الساعة! لأنه مسؤول عن "هي كم الآن"، مفهومة معروفة.
أولئك يؤمنون به: بماذا؟ بربنا، بماذا؟ بسيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم]، بماذا؟ بالقرآن العظيم، بماذا؟ بالمنهج العلمي الذي قد أقره وعلّمه. هذا الضمير.
الضمير يصلح للعودة على متعدد ومعنى الخسران لمن يكفر
طيب، بماذا في كل هذا؟ قال: ولو كان كلهم يصلح؛ الضمير [هنا] للعودة على متعدد.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 121]
بهم ماذا؟ بسيدنا محمد [صلى الله عليه وسلم]، بالقرآن، بالمنهج، بربنا. ينفع بهم جميعًا؟ ينفع، وسيصبحون خاسرين.
نعم بالطبع، خسروا ماذا؟ خسروا الحلاوة والجمال والنور وآثار الحق ومعونة الله في الدنيا، وخسروا أنفسهم بكاملها في الآخرة.
خاتمة الدرس تحذير وتبشير ودعوة للرجوع إلى الله سبحانه وتعالى
فيصبح إذن تحذيرًا وتبشيرًا؛ من وراء تحذير وتبشير، من وراء درس وتعليم. وكلها تدعو الإنسان إلى الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.
فاللهم يا ربنا اجعلنا من الفائزين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
