سورة البقرة | حـ 131 | آية 124 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 131 | آية 124 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • تفسير الآية "وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن" يتمحور حول مفهوم الوحي الإلهي باعتباره الفارق بين الإيمان والكفر.
  • المقصود بالابتلاء هو الاختبار الذي يحمل معه خوف الفشل، والكلمات هنا تمثل الوحي الإلهي وليست مجرد تسبيحات.
  • الإيمان بالوحي يعني الإقرار بأن الكتب المقدسة من عند الله وليست من تأليف البشر، وهذا هو المحك بين الإيمان وغيره.
  • نجح إبراهيم في الابتلاء فحصل على الاطمئنان والفرح والانبساط، فكافأه الله بقوله "إني جاعلك للناس إماما".
  • توجد علاقة بين النجاح والإمامة، فمن ينجح في اختبار الله يؤهل لقيادة الناس وإمامتهم.
  • طلب إبراهيم أن تشمل ذريته هذه المكانة، فأجابه الله "لا ينال عهدي الظالمين"، ليعلمنا العدل وأن الإمامة لا ينالها إلا المستحقون.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تفسير آية ابتلاء إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، حيث يقول ربنا:

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

الحقيقة الفارقة بين الإيمان والكفر وهي الإيمان بالوحي

هنا ينبهنا ربنا سبحانه وتعالى إلى حقيقة فارقة، حقيقة تفرق بين الإيمان وبين الكفر، تفرق بين الأديان وبين الإلحاد، وهي الإيمان بالوحي.

هل عندما خلقنا ربنا في هذه الحياة الدنيا تركنا عبثًا، أم تركنا ليتحكم عقلنا فينا فينشئ التحسين والتقبيح للأفعال وللأشياء، أم أنه سبحانه وتعالى قد أرسل الرسل وأنزل الكتب؟

فالمؤمنون بالأديان يقولون إن الله لم يترك الناس عبثًا وأنه اتصل بهم؛ ولما كان ربنا لا يكلم البشر كفاحًا أي مباشرة، فإنه أنزل الكتب وأرسل الرسل، فهناك ما يسمى بالوحي.

تفسير الآية نحويًا وبيان أن الله هو المبتلي لإبراهيم عليه السلام

هذه الآية تتحدث عن الوحي، وإذا اطلعنا على بعض التفاسير فإنها تضيق الواسع. نرى:

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: 124]

إبراهيم منصوب وربه مرفوع، يعني ابتلى ربُّ إبراهيمَ؛ فيكون المبتلى والمفعول به هو إبراهيم، والمبتلي أي الذي أنزل البلاء عليه أو الابتلاء بمعنى صحيح هو رب إبراهيم.

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: 124]

هي [كلمة ربه] الفاعل والمفعول [إبراهيم] هكذا، وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه، هو [الله سبحانه وتعالى] الذي ابتلى إبراهيم.

معنى الابتلاء والاختبار وما فيه من رهبة الخوف من الفشل

الابتلاء معناه الاختبار، والبلاء معناه المصيبة، والاختبار فيه شيء من الرهبة؛ هي رهبة خوف الفشل.

عندما أدخل في امتحان فأصبح خائفًا، ما مصدر هذا الخوف؟ إنه نابع من خشية أن أسقط وأفشل، فالخوف نابع من السقوط والفشل.

ولذلك الابتلاء وهو الاختبار فيه شيء من البلاء؛ لأن الخوف حالة غير مرغوب فيها، حالة لا يتمناها الإنسان بل يدعو الله سبحانه وتعالى [أن يعافيه منها]. إذا كان الابتلاء آتيًا من البلاء ولكنه بمعنى الاختبار، فإذن يوجد هنا خوف، المرء يكون خائفًا، والخوف آتٍ من أين؟ آتٍ من خوف الفشل، خائف لعله يسقط في الامتحان.

معنى الكلمات في الآية وأنها الوحي وليست مجرد أذكار

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ﴾ [البقرة: 124]

هذا هو الوحي. انظر المفسرين يقولون لك: لا، هذه الكلمات هي التي تقولها: اللهم أجل، سبحان الله والحمد لله لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله.

نعم، يمكن أن تكون هذه من الأوامر؛ أن ربنا أمرنا بتسبيحه وتحميده وتكبيره وتهليله ونفي الحول والقوة عن غيره وهكذا. لكن لا، فكرة الوحي وقضية الوحي هي الأساس.

أنت هذه القضية [قضية الوحي] مؤمن بها أم لا؟ يفرق؛ لأن الذي لا يؤمن بالوحي، إذن يصبح الأنبياء الذين قالوا عن أنفسهم إننا أنبياء ليسوا أنبياء، والكتب هذه ليست منزلة، فتصبح من تأليف هؤلاء الأنبياء [المزعومين].

الفرق بين الإيمان بأن الكتب السماوية من عند الله أو من تأليف البشر

فرق كثيرًا أن ترى أن التوراة والإنجيل والقرآن من عند الله وأن فيها هدى وفيها نور، أم لا ترى أن هذه الأشياء قد ألفها البشر وأنك أنت أعقل من هؤلاء؟

هذه هي القضية وهذا هو المحك الذي بين الإيمان وغيره.

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ﴾ [البقرة: 124]

أي بالوحي. ربنا سبحانه وتعالى قال في شأن موسى:

﴿وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]

فكلمات الله سبحانه وتعالى هي وحي:

﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]

نجاح إبراهيم في الابتلاء وما يترتب عليه من زوال الخوف والفرح

فأتمهن، فهل نجح أم لم ينجح؟ نعم نجح. فبعد النجاح هل يوجد خوف أم أن الخوف قد زال؟ الخوف يزول عندما تذهب فتجد نتيجتك ناجحًا فتطمئن.

حسنًا، اطمئنان فقط مع حزن أم اطمئنان مع فرح؟ إذن اطمئنان مع الفرح؛ يعني أنت مطمئن وفرحان. فالذي ناجح هذا يكون فرحانًا، والفرحان هذا هو يكون هو مطمئنًا.

هذه نقطة أولى. الفرح هذه نقطة ثانية. الفرح هذا يسبب له انبساطًا ولا يسبب له انقباضًا. تعال تجد يسبب له ماذا؟ انبساطًا، يحصل له انبساط هكذا هو.

الانبساط بعد النجاح يدفع صاحبه للكلام بموجب السعادة

والانبساط هذا يجعله ساكتًا كئيبًا أم دعه يتكلم؟ دعه يتكلم. وعندما يتكلم فإنه يتكلم بموجب تلك السعادة، أم عندما يأتي ليتكلم يعود إلى الحزن مرة أخرى؟ [لا، بل يتكلم بموجب سعادته].

فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبين لنا أن النجاح منة وأنه يسبب السعادة. فالله يقول له ماذا؟ يعطيه جائزة على هذه السعادة، على هذه الفرحة، على النجاح:

﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]

فنجح ففرح فسعد فانبسط، فجاءته منة أيضًا، جاءته جائزة.

العلاقة بين النجاح في الابتلاء والعطية والإمامة وتوسيد الأمور

أبوك لما رأى أنك نجحت قال لك: والله سأجلب لك، كنا قديمًا نقول عجلة والآن يقولون سيارة، فيجلب لك عجلة قديمة هكذا أو سيارة، يجلب لك شيئًا يعني هدية هكذا.

﴿قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]

ما دام نجاحك، فيبقى هناك علاقة بين النجاح والعطية، وبين النجاح والإمامة، وبين النجاح وأن يُوسَد لأحدهم أمر ما.

وعندما تأتون يا إخواننا لتوسدوا أحد الناس أمرًا ما من أمور الإمامة، فأسندوا الناجحين لا الفاشلين؛ لأنه عندما نسند الناجحين المسرورين السعداء المنبسطين، سيدخلون السرور على الناس ليس الكآبة، وسيدخلون النجاح على الناس؛ لأنهم من الناجحين وليس من الفاشلين ولا من المفسدين.

الله يختبر عباده والناجح يُجعل إمامًا وطلب إبراهيم لذريته والرد الإلهي

الله يحفظك، لا تُعِنْ قريبك بعين الحسد؛ لأن ربنا سبحانه وتعالى علمنا أنه يختبر، والذي ينجح يجعله إمامًا. هكذا نأخذ منها.

﴿قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]

قام [إبراهيم عليه السلام] بالفرحة تجعلك تقول من هذا الانبساط:

﴿وَمِن ذُرِّيَّتِى﴾ [البقرة: 124]

هذه "ومن ذريتي" تصبح المسألة إذن: أنا أخذتها لأنني نجحت، فأولادي لا تجعلوهم هكذا [أئمة بلا استحقاق]. قوموا، فالله عادل ويعلمنا العدل، فقال:

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله.