سورة البقرة | حـ 132 | آية 124 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 132 | آية 124 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • أنزل الله الوحي بأوامر ونواهٍ واضحة، فأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد في سبيله وعمارة الأرض وتزكية النفس.
  • نهانا عن الفواحش والمنكر والبغي والكذب والفساد، وهذا الوحي يفرق بين المؤمن وغير المؤمن ويجعل الحكم لله لا للبشر.
  • الوحي يؤكد عدم وجود تناقض بين صحيح المنقول وصريح المعقول، فكلاهما من عند الله.
  • ابتلى الله إبراهيم بكلمات فأتمهن، فجعله للناس إماماً، وهذا يدل على أن الإمامة لا تكون إلا للناجح المتميز.
  • طلب إبراهيم أن تكون الإمامة في ذريته، فأجابه الله "لا ينال عهدي الظالمين"، مبيناً أن العهد لا يصل إلى الظالمين.
  • حفظ الله القرآن من التحريف والتبديل بخلاف الكتب السابقة التي حرفها الناس.
  • استمرت الأمة الإسلامية رغم الهجمات المتتالية عليها من اليهود والمشركين والتتار والصليبيين والمستعمرين.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تلاوة آية ابتلاء إبراهيم عليه السلام من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذِ ٱبْتَلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ رَبُّهُ بِكَلِمَـٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

الوحي الإلهي أخرج الناس من الظلمات إلى النور بالأوامر والنواهي

ورأينا كيف أن الله سبحانه وتعالى يوحي بإذنه ما يشاء، وأنه لم يترك الناس عبثًا، وأنه أخرجنا من الظلمات إلى النور بمقررات واضحة في الأمر والنهي.

فأمرنا بالصلاة وبالزكاة وبالحج إلى بيته وبالصيام، وبالمعروف وبالجهاد في سبيله، وليس في سبيل أحد من الناس ولا طغيانًا ولا عدوانًا. أمرنا بعمارة الأرض وبعبادته وبتزكية النفس، أمرنا سبحانه وتعالى بذلك.

ونهانا عن كل فاحشة ومنكر وبغي وكذب وفساد في الأرض.

الوحي يفرق بين المؤمن وغيره ويجعل الحكم لله وحده لا للبشر

هذا هو الوحي الذي لا نستطيع أن نتركه، هذا هو الوحي الذي يفرق بين المؤمن وغير المؤمن، هذا هو الوحي الذي يجعل الحكم لله:

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [الأنعام: 57]

بخلاف من جعل الحكم للبشر؛ سواء للطبقة أو للدكتاتور أو للجماعة أو لكذا وكذا، المهم أن الحكم هو للبشر.

هذا الوحي الذي يقول إنه ليس هناك بين صحيح المنقول وصريح المعقول أي تناقض؛ فكلاهما من عند الله. وبين من يقول إن العقل يحكم بما يشاء وأن الأخلاق نسبية تختلف باختلاف الزمان والمكان.

الابتلاء بالوحي والنجاح فيه كما نجح إبراهيم عليه السلام فنال الإمامة

لقد أنزل الله الوحي، والوحي فيه أمر ونهي، وبذلك ففيه ابتلاء، والابتلاء فيه شيء من الخوف.

فإن نجحت بإتمامك لأمر الله في وحيه كإبراهيم [عليه السلام] جزاك الله عنا خيرًا وعن هذا [الدين] خيرًا:

﴿فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]

فأخذ [إبراهيم عليه السلام] جائزة [الإمامة]. وأخذنا من هذا أن الإنسان لا يصير إمامًا إلا إذا كان ناجحًا، وأن من أسند الأمر لغير أهله أفسد في الأرض.

شرط النجاح في تولي الإمامة وأثر النجاح في تحقيق السعادة

وإن من أراد أن يعين أحدهم في إمامة في أي مجال من مجالات الحياة، لا بد عليه أن يعينه ناجحًا؛ لأن النجاح يسبب الفرحة ويسبب الانبساط ويسبب السرور والسعادة، ولأن النجاح يولد النجاح.

دعاء إبراهيم لذريته وبيان أن الإمامة لا تنال بالنسب بل بالعمل والإيمان

أما إبراهيم [عليه السلام] وهو فرح [بنيله الإمامة] لم ينسَ ذريته، والإنسان يحب دائمًا أن يكون أبناؤه أحسن منه. قال:

﴿وَمِن ذُرِّيَّتِى﴾ [البقرة: 124]

أن تبارك لنا في ذريتي. فبيّن لنا الله أنه لا بد ألا يُسند الأمر إلى غير أهله، وبيّن لنا الله أنه:

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

كما بيّن لنا الله أن:

﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: 39-40]

فلا يصح أن يتمسك الإنسان بنسبه ومكانه، إنما يفعل ويؤمن ويلتزم وينجح؛ يكون إمامًا.

إعراب لا ينال عهدي الظالمين وقاعدة كل ما هو متلقيك فأنت متلقيه

فيقول [الله تعالى]:

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

أين الفاعل؟ العهد، العهد هو الذي ينال الظالمين أم الظالمون هم الذين ينالون العهد؟ قال إن هناك قاعدة في اللغة العربية تقول: كل ما هو متلقيك فأنت متلقيه، كل ما هو متلقيك فأنت متلقيه.

ما هو [أي الفعل يسير] في اتجاهين؛ فكأن العهد يسير، فكأن الظالم يسير أمامه. فهل ينال العهدُ الظالمَ؟ هل ينال الظالمُ العهدَ؟ هي هي [أي المعنى واحد].

ولذلك ابن مسعود [رضي الله عنه] قرأ: «لا ينال عهدي الظالمون»، يعني جعلها فاعلًا. ولكن القراءة المتواترة الثابتة الصحيحة:

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

نجدها في المصحف هكذا، ليس هناك أي مصحف فيه «الظالمون»، جميع المصاحف «الظالمين».

حفظ القرآن الكريم بالتواتر وعدم تغيير حرف واحد منه منذ نزوله

ما هو [أي القرآن] ما لم يُحرَّف، ما تغيّر أبدًا، كما هو كذلك منذ أول نزوله على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم وإلى يوم الناس هذا، ما فيه شيء تغيّر أبدًا.

هكذا هو، «الظالمون» و«الظالمين»، آه، حرف يعني ولا حرف ولا شكل ولا شيء، بالتواتر قرأناه على مشايخنا. كذلك هو إعجاز؛ لأنه قد تولى حفظه [الله سبحانه وتعالى]:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

الرد على من يشكك في القرآن بالاستشهاد بكتب التفسير دون دليل على التحريف

فيقول لك هذا [المشكك]: نحن قرأنا في الكتب، هذا في كتب تقول وتعيد. نعم، ولكن هذا الأمر شيء يغيظ يا إخواننا، أيضًا شيء يغيظ [أعداء الإسلام].

كتاب يُحفظ بهذا الحفظ الذي لم يُحفظ مثله كتاب، ماذا يقول المسكين الذي يريد أن ينقضه؟ لن يستطيع أن يقول شيئًا. فيقول لك: هذا أنا قرأت في الطبري، هذا أنا قرأت في لا أعرف في القرطبي، هذا أنا قرأت في البيضاوي.

نعم، أنت قرأت، ولكن ما هذا الذي بين أيدينا؟ ما هو إلا واحد [أي مصحف واحد] من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة وعلى مر العصور. ألا نملك المتاحف ودور الكتب التي تحتوي على المصاحف؟ إنه مصحف واحد، فماذا تقول؟

تشبيه ثبات القرآن بالهرم والرد على من يدعي تزييفه

في الأصل أنا أتصور [أن المشكك لا حجة له]، فلماذا لا يوجد عليه [أي دليل على التحريف]؟ فقال لك مثل الذي وقف أمام الهرم يا إخواننا وقال له: يا هذا أنت مزيف!

قل إنك مزيف، أنت كاذب، ولكن هذه هي الحكاية فقط، ولكنه ليس كرتونًا. هذا الهرم عمره سبعة آلاف أو ثمانية آلاف سنة. فهذا [القرآن] أقوى من الهرم.

معنى لا ينال عهدي الظالمين وبيان العهد بين إبراهيم وربه وتأكيد الرسل له

﴿لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

هكذا يكون «الظالمين» هذا مفعول به، وكأن العهد لا يصل إلى هؤلاء الظالمين.

والعهد هذا، ما هو العهد الذي بين إبراهيم [عليه السلام] وبين ربه؟ والذي جاء موسى فأكده، وعيسى فأكده، ومحمد فأكده، عليهم الصلوات والسلام من رب العالمين.

العهد [هو عهد التوحيد والإيمان]، ولو أن الناس قد تمسكوا بعهد إبراهيم لما أرسل الله رسلًا، ولكنهم فرّطوا وغيّروا وبدّلوا وحرّفوا وطغوا وعبدوا الأوثان.

إرسال الرسل وختمهم بالنبي محمد وحفظ كتابه وانتشار أمته رغم المحن

ولذلك أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين حتى ختمهم بسيد الكائنات صلى الله عليه وآله وسلم، فرفع ذكره وحفظ كتابه وأبرز قبره، وانتشرت أمته بالرغم من أنها تحت وطأة السيف طوال حياتها.

هاجمها اليهود والمشركون، وهاجمها الفرس والروم، وهاجمها التتار والصليبيون، وهاجمها الاستعمار، وهاجمتها قوات الاحتلال في كل مكان وفي كل زمان، وهي تزداد من عند الله لا من عند أحد من البشر.

والحمد لله أولًا وأخيرًا، فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين، والحمد لله رب العالمين. نسجد له وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.