سورة البقرة | حـ 134 | آية 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 134 | آية 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • تطهير البيت الحرام يشمل التطهير الحسي من النجاسات، والمعنوي من الشرك، والديني بترك المعاصي فيه.
  • المعصية في البيت الحرام تعد من الكبائر، إذ جعل الله الصلاة فيه بمائة ألف صلاة.
  • البيت الحرام محل للطاعات والأنوار والأسرار الإلهية التي تجلب الأمن والطمأنينة.
  • تحية البيت هي الطواف سبعة أشواط، وليست ركعتين كتحية المساجد.
  • الاعتكاف عند المسلمين مؤقت، ويصح ولو لساعة واحدة في المسجد.
  • الركوع والسجود لا يكونان منفردين، بل جزء من الصلاة، ولذلك قال "والركع السجود" وليس "والركع والسجود".
  • لا يجوز السعي بين الصفا والمروة منفرداً، بل لا بد أن يسبقه طواف.
  • السجود موضع للدعاء والعبادة، بينما الركوع عبادة فقط.
  • البيئة الصالحة تؤثر في قلب الإنسان، لذا يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية تطهير البيت الحرام من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، نقرأ في سورة البقرة:

﴿وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ﴾ [البقرة: 125]

أنواع تطهير البيت الحرام الحسي والمعنوي والديني

والتطهير هنا [في الآية] قد يكون تطهيرًا حسيًّا من القاذورات والأنجاس وكذلك إلى آخره، وقد يكون تطهيرًا معنويًّا من الشرك ومن الوثن ومن عبادة غير الله سبحانه وتعالى.

وقد يكون تطهيرًا دينيًّا من عدم وقوع المعصية فيه؛ فإن المعصية في هذا البيت [البيت الحرام] كبيرة من الكبائر، ويجب على الإنسان أن يتحرّز من نفسه؛ لأن الله سبحانه وتعالى فتح باب الثواب عاليًا وجعل الصلاة في البيت الحرام بمائة ألف صلاة، فلا تجاهره [الله] بالمعصية؛ فإن المعصية في البيت الحرام فيها من قلة الحياء والأدب مع الله ما فيها.

خلاصة أنواع تطهير البيت وعهد إبراهيم بتطهيره للعبادة

فتطهير البيت [الحرام] قد يكون تطهيرًا حسيًّا، وقد يكون تطهيرًا معنويًّا، وقد يكون تطهيرًا دينيًّا يتعلق بالدين وبفعل الطاعات وترك المنكرات.

فأُمِر سيدنا إبراهيم وعُوهِد على ذلك بأن يُطهِّر هذا البيت؛ ولأن هذا البيت تكثر فيه الطاعات ويكثر فيه ذكر الله، وتقلّ فيه المعاصي وتقلّ فيه الغفلة؛ فإنه محلٌّ للأنوار ومهبطٌ لأمور كثيرة من الأسرار والأنوار.

الأسرار والأنوار في البيت الحرام ومكونات الأمن والطمأنينة

والأسرار من مِنَن الله سبحانه وتعالى، وهي تكون من مكونات الأمن والطمأنينة:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

فتطهير البيت من ذلك كله يتوافق مع أن الله أَذِنَ أن يكون هذا البيت أمنًا وسلامًا ورحمةً وطمأنينةً للمؤمنين.

معنى الطواف بالكعبة وتحية البيت الحرام بالطواف لا بالركعتين

الطائفين الذين يريدون أن يطوفوا، والطواف يُطلق على الطواف بالكعبة وهو سبعة أطواف.

وتحية البيت الطواف؛ تحية المسجد ركعتان، [لكن] تحية البيت [الحرام] الطواف. يعني عندما تريد أن تُحيّي البيت لا تُحيّيه بركعتين وإنما تُحيّيه بطواف سبعة أطواف.

كلما تدخل البيت [الحرام] يُسَنّ لك أن تطوف هذه الطوفات، وفي الطوفات تدعو الله سبحانه وتعالى وتسأله.

معنى الاعتكاف عند المسلمين وجوازه ولو ساعة عند الشافعي

والعاكفين [هم] المنقطعين للعبادة، والانقطاع للعبادة عند المسلمين انقطاع مؤقت؛ ليس هناك انقطاع على الدوام، بل يكون انقطاعًا مؤقتًا.

يرى الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه لا يلزم فيه الصيام، ولذلك يجوز الاعتكاف ولو ساعة. ولذلك يُسَنّ عنده عندما يمكنك أن تدخل أيّ مسجد وتقول: نويت الاعتكاف لله رب العالمين، فتمكث في المسجد ساعة أو ساعتين، وهذا يُعَدّ من الاعتكاف.

نية الاعتكاف في البيت الحرام وأنواع الاعتكاف ومدده المختلفة

وأنت عندما تدخل البيت الحرام تقول كذلك: نويت اعتكافًا لله حين تدخل، فإذا جلست أمام الكعبة ساعة أو ساعتين فإن ذلك يُحسَب لك من قبيل الاعتكاف.

وهناك اعتكاف يوم ويومين، واعتكاف العشر الأواخر من رمضان، واعتكاف أربعين يومًا وهكذا.

حديث النبي في فضل قضاء حاجة الأخ وثواب اعتكاف أربعين

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«من كان في حاجة أخيه كُتِب له اعتكاف أربعين يومًا»

هو في الحقيقة الرواية تقول: «كُتِب له اعتكاف أربعين»، حتى الراوي قال: لا أدري يومًا أم شهرًا أم سنة.

فالإنسان له أن يعتكف خالصًا لله أربعين يومًا، يملأ ويشحن قلبه بأنوارها، ثم بعد ذلك يخالط الحياة كما كان.

سبب ذكر الركع السجود بدل المصلين وعدم جواز الركوع المنفرد

والركع السجود، فلماذا قال [الله تعالى]: للطائفين والعاكفين والركع السجود؟ لماذا لم يقل الركع والسجود؟

قال لك: لأنه ليس هناك عبادة عند المسلمين بالركوع فقط مطلقًا هكذا. تجد واحدًا راكعًا فتقول له: ماذا تفعل؟ قال لك: أنا راكع لله. نعم، يعني أنت تصلي أم ماذا؟ فيقول: لا؛ أنا لا أصلي، فأنا راكع هكذا. ليس هناك شيء يُسمّى هكذا، لا يجوز.

فلماذا لا يجوز؟ أليس الركوع جزءًا من الصلاة؟ قال: نعم، لكن العبادة توقيفية.

الفرق بين المعاملات المعقولة المعنى والعبادات التوقيفية

قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. المعاملات معقولة المعنى، لكن العبادات العقل الخاص بها أنك تطيع ربنا.

فربنا قال لك: اقرأ قرآنًا، لا يوجد مانع. اذكر [الله]، لا يوجد مانع. اسجد للتلاوة مرة، للشكر مرة، وهكذا. لكن لا يوجد ركوع منفرد؛ لا بدّ أن يكون الركوع داخل الصلاة، يسبقه تلاوة ويتلوه سجود، فهو محصور بين التلاوة والسجود.

السعي بين الصفا والمروة لا يجوز منفردًا كالركوع المنفرد

قال: حسنًا، وهل يوجد شيء كذلك [كالركوع المنفرد] عند المسلمين؟ قال له: السعي بين الصفا والمروة، وهو الطواف الثاني. يُطلق على السعي بين الصفا والمروة أنه طاف بين الصفا والمروة أيضًا؛ لأنه ذهب وجاء سبع مرات.

هل يجوز السعي مطلقًا هكذا؟ نحن نقول الآن: يجوز الطواف بالبيت كلما تراه، كلما تدخل الكعبة تطوف سبعة أشواط، كلما تدخل الكعبة تطوف سبعة أشواط، سُنّة تحية للبيت.

فقلت: سأذهب لأسعى ما بين الصفا والمروة، فقال: لا بدّ أن يسبقه طواف، لا بدّ أن يسبقه طواف. فقلت: ولكن لم يسبقه طواف، قال: لا يصحّ ذلك كالركوع [المنفرد].

فلما رجعوا إلى الكتب القديمة يقولون لك هكذا: لا يجوز السعي منفردًا كالركوع، يعني ماذا كالركوع؟ يعني كالركوع المفرد.

سبب قوله تعالى الركع السجود بدلًا من المصلين للحث على إطالتهما

ولذلك قال [الله تعالى]:

﴿وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]

لأن الركوع والسجود يكونان معًا في الصلاة.

يعني حسنًا، ولماذا لم يقل: للطائفين والعاكفين والمصلين؟ قال: لأنه يريد هنا في البيت الحرام أن تزيد من الركوع والسجود؛ يعني تركع وتُطيل الركوع قليلًا، تسجد وتقوم وتُطيل السجود شيئًا.

والركوع عبادة، والسجود محلّ الدعاء واستجابة الله لك والمِنّة. فأنت إذن تعبد عبادة خالصة لا دعاء فيها ولا طلب فيها لله كده [هكذا في الركوع]، وتسجد وتذكر [الله] أيضًا في السجود، لكن يجوز لك أن تدعو.

إرشاد النبي إلى تحري الدعاء في السجود وفضل كثرة السجود

فالنبي صلى الله عليه وسلم أرشدنا إلى تحرّي الدعاء في السجود وقال:

«فإنه قَمِنٌ أن يُستجاب لكم»

ولما جاء واحد [من الصحابة] قال له: يا رسول الله، ادعُ لي أن أدخل الجنة، قال:

«أعِنّي على نفسك بكثرة السجود»

فالسجود عبادة، والسجود موضع للدعاء. أما الركوع فهو عبادة فقط. فأكثِر من الركوع وأطِلْه، وأكثِر من السجود وأطِلْه؛ لأنه [الله تعالى] لم يقل «المصلين» وإنما قال «الركع السجود».

معنى إطالة الركوع والسجود وتطهير البيت الحرام للعبادة

فعندما أنظر إليك فأجدك راكعًا، أنظر إليك مرة أخرى فأجدك راكعًا، أنظر إليك مرة ثالثة فأجدك ساجدًا؛ الركوع والسجود.

إذن تطهير البيت [الحرام هو تطهير] للعبادة:

﴿وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125]

يجذب قلوبهم، وأمنًا يحتمون فيه ويشعرون فيه بالطمأنينة.

﴿وَٱتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

فاعبدوا ربكم وحده.

خلاصة عهد إبراهيم بتطهير البيت وأثر البيئة الصالحة في القلب

﴿وَعَهِدْنَآ إِلَىٰٓ إِبْرَٰهِـمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِىَ﴾ [البقرة: 125]

من الأنجاس والأرجاس والأوثان والمعصية، للطائفين؛ لأن هذه العبادة تفيد الطائفين، والعاكفين الذين يمكثون، والركع السجود الذين يعبدون ويدعون.

وكل هذا الخير يُحدِث بيئة صالحة تُطمئنّ قلب الإنسان؛ فإن البيئة لها أثر في قلب الإنسان، كما قالوا لمن قتل تسعة وتسعين نفسًا: إنّا نراك في أرض أهل سوء، فاذهب إلى قوم كذا فإن فيها أرض كذا، فإن فيها أقوامًا صالحين يعبدون الله.

ولذلك يجب علينا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر؛ لأن هذا يفيد الجميع. والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.