سورة البقرة | حـ 135 | آية 126 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 135 | آية 126 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية تبين دعاء إبراهيم عليه السلام "رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر".
  • تعلم إبراهيم من الدرس السابق عندما قال "ومن ذريتي" فأجابه الله "لا ينال عهدي الظالمين"، فقيد دعاءه بالمؤمنين.
  • من أدب الدعاء البدء بحمد الله والصلاة على نبيه وإظهار الضعف والمسكنة وتفويض الأمر لله.
  • التقوى والالتزام يورثان العلم، كلما اتقى العبد ربه علمه شيئاً جديداً.
  • أخبر الله إبراهيم أن الكافر سيمتع قليلاً في الدنيا ثم يضطر إلى عذاب النار.
  • المؤمن له الدنيا والآخرة، والكافر له متاع الدنيا فقط.
  • الإمامة لا ينالها الظالمون، أما متاع الدنيا فيشترك فيه المؤمن والكافر.
  • كلما تعلم المرء علماً وطبقه فتح الله عليه أكثر.
  • في الآية دروس في أدب الدعاء وفهم الفوارق الدقيقة في الحقائق.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

دعاء إبراهيم عليه السلام لمكة بالأمن والرزق في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا ءَامِنًا وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [البقرة: 126]

إبراهيم عليه السلام يتعلم من ربه ويطلب رضاه ويُحسن مخاطبته؛ قلبه منوّر شفاف.

كيف تعلم إبراهيم أدب الدعاء بعد طلب الإمامة لذريته

دعا [إبراهيم عليه السلام] لمّا قال له [الله تعالى]:

﴿إِنِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124]

قال [إبراهيم]: ومن ذريتي؟ فكانت الإجابة:

﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 124]

وهنا إبراهيم عليه السلام يدعو مرة أخرى وقد تعلّم الدرس كيف يخاطب ربه، فيقول لنا هكذا: تعلّموا كيف تخاطبون ربكم.

آداب الدعاء ومخاطبة الله من حمد وصلاة وتبرؤ من الحول والقوة

ومن الأدب في الخطاب مع الله أن تبدأ:

  1. بحمده سبحانه وتعالى.
  2. بالصلاة على نبيه ﷺ.
  3. بوصفه بالصفات العُلى وبذكره.
  4. بإظهار الضعف والمسكنة له وفي قلبه.
  5. بالتبرؤ من الحول والقوة.

ثم بعد ذلك تدعو ربك، ثم بعد ذلك لا تقطع وإنما تسأله الخير كله، وأن يصرف عنك السوء بما شاء وأنّى شاء وكيف شاء. فعندما تسأل تجعل الخِيَرة لله سبحانه وتعالى.

تأدب إبراهيم في دعائه بتقييد الرزق لمن آمن بالله واليوم الآخر

فهنا إبراهيم عليه السلام يقول بعد أن تعلّم الدرس: رب اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات. لو كان سكت كان سيبقى أيضًا مُصمِّمًا على أن يقول له [كما قال سابقًا]: اجعل ذريتي، واجعل هذا البلد، أهل هذا البلد، هؤلاء الناس [جميعًا].

ولكنه عرف [أدب الخطاب مع الله] فذهب قائلًا:

﴿مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [البقرة: 126]

يعني كأنه تعلّم الدرس فلم يُطلق وقيّد؛ بأن رضاك لمن رضيت عنه، وأن سخطك ينزل على من سخطت عليه. وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر.

الالتزام بالتقوى يولد النعمة والعلم الجديد من الله تعالى

طيب، الالتزام يولد النعمة:

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

كلما اتقيت الله كلما علّمك شيئًا جديدًا، كلما اتقيت الله كلما سيعلّمك شيئًا جديدًا. فالتزم إبراهيم [عليه السلام بأدب الدعاء] فعلّمه الله علمًا جديدًا.

ويقول لنا: اتقوا الله ويعلّمكم الله، الآية تقول هكذا، هو قالها بوضوح.

إعلام الله لإبراهيم بحال الكافرين ومتاعهم القليل في الدنيا

لكن هنا يقول [الله تعالى]:

﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126]

سيدنا إبراهيم سأل عن حال غير المؤمنين؟ لم يسأل، وإنما الله أعلمه؛ لأنها بضدها تتميز الأشياء. وأن هذا الذي آمن بالله وباليوم الآخر ورُزق من الثمرات، لن يقتصر الحال على المؤمنين.

هو [الله] يقول له: من آمن بالله واليوم الآخر ارزقه هكذا. قال له: حسنًا، سأرزقه وسأرزق الكافر أيضًا رحمةً من الله.

الفرق بين المؤمن والكافر في نصيبهما من الدنيا والآخرة

ولكن هذا [المؤمن] له الدنيا والآخرة، وهذا [الكافر] له الآخرة فقط [أي العذاب فيها].

﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَٱلطَّيِّبَـٰتِ مِنَ ٱلرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [الأعراف: 32]

يعني ويشترك معهم غير المؤمنين، خالصةً يوم القيامة، يعني هي خالصة للمؤمنين يوم القيامة. فيبقى المؤمن سيأخذ الدنيا والآخرة، والكافر سيأخذ الدنيا فقط.

فيبقى لا تحزن إذن عندما تكون الدنيا في يد كافر؛ لأن الأمر ليس بتحصيل الدنيا، بل الأمر حقيقته في تحصيل الآخرة.

تأدب إبراهيم في دعائه وتعليم الله له الفرق بين الإمامة والرزق

ومن كفر فأمتّعه قليلًا، يعني في الدنيا فأمتّعه أيضًا. وكل هذا لأن سيدنا إبراهيم تأدّب ولم يقل له: [ارزق] كلهم.

قال له: طيب هنا، فقال له: لا، الإمامة شيء [مختلف عن الرزق]. علّمه تعليمًا جديدًا لأنه اتقى. الإمامة هذه شيء لا ينالها في الدنيا الظالم.

وأنتم اعملوا كذلك كما أعمل أنا [يقول الله تعالى]، فأنا لا أُولي الإمامة في الدنيا للظالم، ولذلك عليكم ألّا تُولّوا إمامةً في الدنيا للظالم.

اشتراك المؤمن والكافر في متاع الدنيا ثم مصير الكافر إلى النار

أما هذه التي هي الأكل والشرب والمتعة وما إلى ذلك، فسأُشرككم فيها مؤمنًا وغير مؤمن يتمتع بها. ثم بعد ذلك أُرجعه إليّ، فبعد المتعة القليلة هذه:

﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126]

فيبقى هناك فرق بين الموقفين.

الدروس المستفادة من تعليم الله لإبراهيم في موقفين متتاليين

فيبقى أن [الله] علّم سيدنا إبراهيم تعليمًا جديدًا. الموقف الأول: لمّا قال له: ومن ذريتي، فأطلق فقُيِّد، وقال له: لا، الناس الطيبين منهم فقط، فقطع الأنساب ورجع إلى الكفاءة والطاعة وهكذا.

وهنا قال له: حسنًا، من آمن منهم بالله واليوم الآخر. فقال له: لا أيضًا، هذا أنا سأُهدي هذا وذاك، إنما هذا [المؤمن] سأُهديه الدنيا والآخرة، وذاك [الكافر] سأُهديه الدنيا فقط:

﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 126]

التقوى والعمل بالعلم يفتحان أبواب الفهم والتصحيح من الله تعالى

تعليم مستمر [من الله لعباده]، لكن يتبيّن منه الفوارق الدقيقة في الحقائق والدقائق. يتبيّن منه أن فهمك ولو كان خاطئًا تتقي به ربك، يعلّمك الله ويفتح عليك ويصحّحه ولا يتركك في حالك.

إذن فوق كل ذي علم عليم. إذن سارعوا في الطاعة وانفروا لله ولا تتلكّأ. إذا يجب عليك أن تُخلص الدين لربك، وكلما تعلّمت علمًا فطبّقه، فتجد أن الله فتح عليك أكثر وأكثر.

فاللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله.