سورة البقرة | حـ 137 | آية 129 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 137 | آية 129 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • دعا إبراهيم عليه السلام ربه: "وابعث فيهم رسولاً منهم" فجاء محمد صلى الله عليه وسلم من بني إسماعيل مبشراً.
  • كان النبي يتلو آيات الله ويعلم الصحابة الكتاب والحكمة وهي السنة، ويعلمهم في حلقات العلم.
  • السنة هي التطبيق المعصوم للفهم الصحيح لكتاب الله، علمنا من خلالها كيفية التعامل مع مختلف جوانب الحياة.
  • السيرة النبوية تعكس حياة الرسول وتعامله مع مختلف الناس في المواقف المتنوعة.
  • علم النبي أصحابه الحكمة والرفق وحسن الإسلام.
  • زكى الرسول الصحابة ونقلهم من حالة الجاهلية إلى خير أمة أخرجت للناس.
  • المسلمون عبر التاريخ لم يكرهوا أحداً على الإسلام ولم يبيدوا شعوباً، بل انتشر الإسلام بواسطة الأسرة.
  • ما زالت معابد وكنائس أهل الأديان المختلفة باقية في بلاد الإسلام حتى يومنا هذا.
  • المسلمون عمروا ولم يدمروا، وقدموا تاريخاً لا يحتاجون للاعتذار عنه.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة تلاوة دعاء سيدنا إبراهيم في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، نقرأ قوله تعالى وهو يحكي عن دعاء سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وعلى نبينا سيد الخلق أجمعين:

«ربنا» منصوبة؛ فهو يدعو، أي: يا ربنا،

﴿وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 129]

بشرى؛ فهو المُبَشَّر وهو المُبَشِّر. مُبَشَّر لأنه قد بشّرت به الأنبياء من قبل، ومُبَشِّر لأنه بشّرنا بالخير والجنة.

النبي المصطفى هو المبشر الذي جاء من بني إسماعيل

فأين هذا المُبَشَّر؟ لم يأتِ إلا في صورة النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم، وأن أُرسل إليكم من إخوتكم الذين هم بنو إسماعيل.

أليس كذلك؟ ما ليس جاء من بني إسماعيل إلا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

﴿وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 129]

لم يقل: «وابعث فيهم رسولًا يتلو عليهم آياتك»، هذا [لو قيل هكذا لـ] جاء من خارج، [لكنه] قال: «منهم».

تلاوة النبي لآيات الله وتعليم ابن مسعود خطبة الحاجة

﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِكَ﴾ [البقرة: 129]

فعلًا تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات ربنا وعلّمها. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول وهو يحدّثنا عن خطبة الحاجة: «كان يعلّمنا خطبة الحاجة كما يعلّمنا القرآن».

كيف كان يعلّمهم القرآن؟ قال: بأن يعيدها عليهم حتى يحفظوها. فكما يعلّمنا القرآن، يعني كان يتلو عليهم آياته سبحانه وتعالى.

تعليم النبي الكتاب للصحابة في حلقات العلم وأهل الصفة

﴿وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [البقرة: 129]

لم يتركهم هكذا، كان يجلس فيعلّمهم، وكان هناك حلقة علم يلتفّون فيها حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعلّمون منه. كان هناك أهل الصُّفّة.

لو تتذكرون الحديث الذي جاء فيه أحدهم وقال: يا رسول الله، إن أخي يختلف إليك ليتعلّم، وأنا أقوم به، يعني يسعى للتجارة وكذلك إلى آخره حتى ينفق على أخيه.

قال رسول الله ﷺ: «لعلّ الله أن يرزقك بأخيك»

فجلس [النبي ﷺ] وعلّمهم الكتاب.

الحكمة هي السنة النبوية والتطبيق المعصوم لكتاب الله

والحكمة وهي السنة.

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

فالسنة هي التطبيق المعصوم للفهم الصحيح لكتاب الله سبحانه وتعالى. صحيح أنها كانت في زمن معيّن، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمنا من خلالها كيف نفكّر، وكيف نتعامل مع الحياة، وكيف نطبّق كتاب الله، وكيف نطبّق شرع الله على أنفسنا وعلى غيرنا.

كيف نتعامل في الأسرة، كيف نتعامل في الأمة، كيف نتعامل مع الأمم الأخرى ومع الجيران.

فقه السيرة النبوية منهج حياة يختلف عن السنة كمصدر تشريعي

علّمنا [رسول الله ﷺ] المنهج الذي كتب فيه العلماء فقه السيرة، أي فقه الحياة. وهي [السيرة] بخلاف السنة التي هي أحاديث وأقوال كالمصدر الثاني للتشريع الإسلامي؛ القرآن والسنة.

لكن السيرة فيها حياة، ترى فيها رسول الله صلى عليه وسلم وهو يأتي ويذهب، وهو يبتسم ويكتم غيظه وغضبه، وهو يتعامل مع الرجال والنساء والكبار والصغار والمؤمنين والمشركين والغادرين والحاقدين.

كيف يفعل ذلك كله؟ حياة! هذه هي الحكمة.

من حكمة النبي تعليم الرفق والأحاديث الجامعة في المنهج

علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم:

قال النبي ﷺ لعائشة: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

أن يقول لها ويقول لنا:

قال النبي ﷺ: «رفقًا بالقوارير»

يقول هكذا:

قال النبي ﷺ: «من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»

قال النبي ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ»

قال النبي ﷺ: «من سنّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين، ومن سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين»

قال النبي ﷺ: «الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»

وهكذا يعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكمة في حياته وفي سنته.

تزكية النبي للصحابة وتحويلهم من الجاهلية إلى خير جيل

﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129]

نعم صحيح. تأمّل هكذا الصحابة وانظر كيف كانوا وكيف أصبحوا: كانوا يعبدون الوثن، وكانوا يشربون الدم، وكانوا لا يتنزّهون عن القاذورات، وكانوا يقتلون الناس بغير حق، وكانوا يضطهدون العبيد، وكانوا يضطهدون النساء، وكانوا يفعلون المنكرات ويشربون النجاسات والخمر. كل ذلك كان.

فماذا فعل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ زكّاهم وطهّرهم وأخرجهم خير جيل أُخرج للبشر؛ فنهاهم عن الفحشاء والمنكر والخنا والزنا، وجعلهم من القوّامين الصوّامين الذين يعبدون الله بحق.

جهاد الصحابة لرفع الظلم وتحرير الناس من العبودية

وخرجوا [الصحابة] مجاهدين في سبيله ردًّا للعدوان ورفعًا للطغيان، فرفعوا الظلم عن العالمين، وأخرجوهم من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

وفعلوا الخير وأفلحوا، وحرّروا الناس أجمعين من ربقة العبودية، وبقيت آثارهم دالّة عليهم إلى يومنا هذا.

شواهد التسامح الإسلامي وبقاء المعابد في بلاد المسلمين

فنرى في جميع أنحاء العالم الإسلامي جميع أنواع العبّاد لجميع الأديان: المجوس والهندوس والشنتو واليهود والنصارى في العالم الإسلامي.

لم يُبيدوا شعوبًا، لم يفتحوا محاكم تفتيش عن الأفكار والقلوب، لم يستعمروا البلاد، لم يحملوا خيراتها من أجل أن تصبح الحجاز جنة، وظلّت الحجاز من أفقر بلاد الله حتى منّ الله عليها بالثروات.

لم يفعلوا ذلك، لم يُكرهوا أحدًا على الإسلام أو يُبيدوا أقوامًا، بل تزوّجوا منهم وأنجبوا وتكاثروا، فانتشر الإسلام بواسطة الأسرة.

حقائق التاريخ الإسلامي وفخر الانتماء لهذه الأمة المصطفاة

حقائق نعيشها لا نراها في كتب التاريخ، بل نرى المعابد والكنائس وجميع أنواع أهل الأرض في بلاد الإسلام ممن دخلها الصحابة الكرام باقية وإلى يومنا هذا. بلادنا تحكي تاريخنا أيها المسلم.

لم يقدّم الإسلام والمسلمون عبر التاريخ ما يعتذرون عنه؛ لم يدمّروا بل عمّروا، ولم يخرّبوا بل قرّبوا.

فالحمد لله الذي جعلنا من هذه الأمة المصطفاة التي تُظلم ولا تَظلم، والتي تُقهر ولا تَقهر، والتي ظلّت أبدًا تدافع عن نفسها وتُنصر من قِبَل ربها.

فالحمد لله رب العالمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.