سورة البقرة | حـ 139 | آية 130 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح الله سبحانه كيفية تزكية النفس وترك السفاهة، رابطاً ذلك بملة إبراهيم عليه السلام.
- •الإيمان بإبراهيم يكون عبر الإيمان بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فالنبي محمد وجوده ثابت تاريخياً ومكان مولده ووفاته معروفان.
- •حماية الله لقبر النبي ظاهرة عبر التاريخ، كما حدث في القرن السادس عشر عندما حاول البرتغاليون أخذ جثمانه فهزمتهم الدولة العثمانية.
- •الاستغفار عند قبر النبي مستجاب، فهو يشفع لأمته ويدعو لهم.
- •من خلال النبي آمنا بإبراهيم، ومن رغب عن ملة إبراهيم فقد سفه نفسه.
- •الفارق بين المؤمن والمادي أن المؤمن يؤمن بالقداسة والاصطفاء، بينما المادي يرى كل شيء متساوياً وفق المصلحة.
- •الاصطفاء يعني اختصاص الله لبعض خلقه وهو أساس مفهوم القداسة الذي يقتضي الاحترام والإجلال والتعظيم.
- •احترام المؤمنين للنبي محمد يظهر في كل تعاملاتهم وألفاظهم، كقول "صلى الله عليه وسلم" عند ذكره.
تزكية النفس وارتباطها بملة إبراهيم عليه السلام عبر الإيمان بالنبي
وربنا سبحانه وتعالى يشرح لنا كيف نزكي أنفسنا، وكيف نقوّم معنى السفاهة وقلة الأدب مع الله، ويربط بين ذلك تصريحًا وتلميحًا بملة إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وإبراهيم [عليه السلام] لا يثبت في الوجدان الحسي إلا بالإيمان بالنبي [محمد ﷺ]؛ لأن إبراهيم لا وجود له في المخربشات والمنقوشات، ولكن سيد الخلق ﷺ له وجود حسي يعلمه المسلم وغير المسلم؛ أنه وُلد بمكة ومولده معروف، ودُفن بالمدينة وقبره ظاهر يُزار، تتجه إليه قلوب المؤمنين من العالم ويعظمه المسلمون.
حماية الله لقبر النبي ﷺ عبر العصور ومحاولة البرتغاليين غزو الحجاز
وهو [قبر النبي ﷺ] تحت حماية الله رب العالمين في كل العصور. في القرن السادس عشر الميلادي حاول البرتغاليون غزو الحجاز من أجل أن يأخذوا جثمان النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فحاربتهم الدولة العثمانية وانتصرت عليهم، فعدّوها من مآثرها.
حسنًا، وماذا يعني شخص مادي يقول لك: ما معنى هذه الحكاية؟
لا، لها معنى كبير؛ فمن الذي يحمي؟ ومن الذي يوفّق؟ ومن الذي جعل الأنبياء جميعهم غير معروفين أين هم؟ ومن الذي جعل هذا [النبي ﷺ] وحده معروفًا على سبيل اليقين والاتفاق؟ الله سبحانه وتعالى.
زيارة قبر النبي ﷺ والاستغفار عنده وعرض الأعمال عليه
لكي نأتيه [النبي ﷺ] ونستغفر ربنا عنده، فيدعو ربه وهو في الملأ الأعلى: اللهم اغفر لهم، فيغفر لنا.
قال النبي ﷺ: «تُعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدتُ خيرًا حمدتُ الله، وإن وجدتُ غير ذلك استغفرتُ لكم»
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]
نأتيه أين؟ عند قبره الشريف، نسلّم عليه: يا رسول الله، ادعُ الله لي، فيدعو الله سبحانه وتعالى، فالله يستجيب.
إثبات وجود إبراهيم عليه السلام من خلال الإيمان بالنبي ﷺ وتصديقه
ومن خلال النبي ﷺ نُثبت إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه ﷺ قال لنا إنه [إبراهيم] موجود، وأنه رفع القواعد من البيت [الحرام]، وأنه خلّف إسماعيل وإسحاق، وأنه وأنه، فصدّقناه لما آمنا به، فكان هذا هو إثبات وجود إبراهيم [عليه السلام].
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130]
فمن رغب عن ملة إبراهيم فهو سفيه، ومن رغب في ملة إبراهيم فهو مُزكّى؛ زكّى نفسه.
نظرية الاصطفاء والفارق بين المؤمن والمادي في مفهوم القداسة
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130]
فيبقى هنا في نظرية الاصطفاء أن المؤمن يؤمن بالقداسة. والفارق بين المؤمن وبين المادي أن المؤمن عنده مقدّس، والمادي كل الأشياء تستوي عنده؛ فالحيوان كالإنسان كالنبات كالجماد.
وقيمة كل شيء — والإنسان شيء عنده — المصلحة التي بينه وبين هذا الشيء والمنفعة. ولذلك تراه يدعو إلى حقوق الإنسان في بلاده، ثم يقتل الإنسان ويعذّبه في بلاد غيره!
يا الله، كيف هذا؟
ما هو ليس لديه مبدأ، هو لديه هذه مصلحة وهذه مصلحة. فيبقى إذا ليس لديه عنده مطلق، ليس عنده مبدأ، ليس عنده قيمة لوحدها.
الاصطفاء الإلهي وتفاضل الرسل عند الله سبحانه وتعالى
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ﴾ [البقرة: 130]
فيبقى هناك ناس أحسن من ناس عند الله.
﴿تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 253]
ربنا يقول: منهم من كلّم الله. فيبقى هذا ماذا [يعني]؟ حتى الرسل [متفاضلون]. فيبقى إذا الله سبحانه وتعالى ينظر إلى الخلق ثم يصطفي منهم، وينظر إلى المصطفين الأخيار فيصطفي منهم. فالمصطفى فيه شيء من الاحترام.
بعض الناس كلمة قداسة تُتعبهم، هذه قداسة.
مظاهر تقديس المؤمن للكعبة والمصحف والنبي ﷺ وتوقيره
فترى المؤمن يقدّس الكعبة يحترمها، لا يستطيع — وقد أُمر بتطهيرها — أن يُلقي فيها القذورات، ولا يعمل على إهانتها أو نحو ذلك. يحترم المصحف يضعه فوق الكتب كلها هكذا.
هو يحترم النبي ﷺ، وأول ما نذكره نقول: سيدنا، وأول ما يُذكر اسمه نقول: صلى الله عليه وسلم، اللهم صلِّ على سيدنا محمد.
جماعة المغاربة عندما يُرزقون بولد ويسمّونه محمدًا، لا ينادونه: يا محمد، بل يقولون: سيدي محمد. حتى أبوه وهو يضربه يقول له: لماذا يا سيدي محمد تفعل هكذا؟ وهو يضربه! لا يقدر أن ينطق بكلمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا ومقترنة بلفظ السيادة؛ توقيرًا وتعظيمًا وإعزازًا لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. مقدّس محترم.
الاصطفاء يقرّ مبدأ القداسة ويميّز الإسلام عن المادية
ولذلك قوله تعالى:
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130]
يُقرّ مبدأ القداسة ويجعلها فارقًا بين الإسلام وبين المادية. المادي الذي لديه كل شيء سواء، والذي لديه التساوي لا المساواة، والذي عنده قد ذابت القداسة فلا يحترم أحدًا.
يأتي هنا المؤمن في مكونات عقله وثقافته وشخصيته فيقول: ولقد اصطفيناه في الدنيا. والاصطفاء يترتب عليه الاحترام والإجلال والتقدير والتعظيم والنصرة.
والاصطفاء معناه أنه قد اختُصّ بشيء من عند الله، والاختصاص بشيء من عند الله هو نفسه مفهوم القداسة.
