سورة البقرة | حـ 140 | آية 130 : 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •اصطفاء الله لإبراهيم عليه السلام في الدنيا حقيقة واضحة لا تحتاج إلى تأكيد، إذ يعظمه المشركون وأتباع الرسل.
- •التأكيد جاء في قوله تعالى: "وإنه في الآخرة لمن الصالحين"، لأن المشركين ينكرون الآخرة كلها.
- •علة اصطفاء إبراهيم وصلاحه هي مسارعته للاستجابة لأمر الله عندما قال له: "أسلم".
- •استجابة إبراهيم كانت فورية دون تأخير: "قال أسلمت لرب العالمين".
- •الإسلام الحقيقي يتمثل في الاعتقاد الجازم بوحدانية الله وإرساله الرسل والكتب والإيمان باليوم الآخر.
- •المسارعة في تنفيذ أمر الله دون تلكؤ هي سبيل الاصطفاء في الدنيا والصلاح في الآخرة.
- •إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة في المسارعة لتنفيذ أمر الله والالتزام بشرعه.
- •طريق اتباع ملة إبراهيم هو المسارعة للخير والفرار إلى الله تعالى والإقرار بالإسلام قولاً وعملاً.
الخبران في آية اصطفاء إبراهيم والفرق بينهما في التأكيد
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [البقرة: 130]
في هذه الآية خبران: خبرٌ لم يتمّ فيه التأكيد، وخبرٌ آخر تمّ فيه التأكيد.
فقوله تعالى:
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130]
جاء بلا تأكيد؛ لأنه أمرٌ ظاهر، سهل، كأنه حقيقة مرئية.
اصطفاء إبراهيم في الدنيا أمر لا ينكره أحد من المشركين ولا المتدينين
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130]
فمن رأى النبيَّ [إبراهيم عليه السلام] تأكّد من ذلك؛ فسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كان فريدًا، كان أمةً واحدة، كان نبيًّا من أولي العزم.
إنّ أتباع الرسل الآخرين يعظّمون سيدنا إبراهيم ويبجّلونه، وهو مذكورٌ عندهم في كتبهم على صفة التعظيم والتبجيل. وأيضًا مشركو مكة كذلك كانوا يعظّمونه؛ فسيدنا إبراهيم أبوهم الكبير، ولا يستطيعون أن يقولوا فيه شيئًا من ناحية العصبية، ولا من ناحية النسب، ولا من ناحية العشائرية.
فلا أحد يعترض على قوله تعالى:
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130]
إذ الجميع متفقون على ذلك، سواءٌ كان مشركًا أم متديّنًا بدينٍ من أديان الأنبياء.
سبب التأكيد في قوله تعالى وإنه في الآخرة لمن الصالحين
قال تعالى:
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130]
نحن اصطفيناه في الدنيا، ذُكرت من غير تأكيد. أمّا قوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [البقرة: 130]
فقد جاء مؤكَّدًا؛ لأنّ المشرك ينكر وجود الآخرة أصلًا، ولا يؤمن بحسابٍ ولا بعث. ويحتاج إلى تأكيد؛ لأنّ التأكيد إنما يكون لمن أنكر.
فالسؤال: هل ينكر أحدٌ اصطفاء إبراهيم فقط أم ينكر الآخرة كلها؟ هذا [المشرك] سينكر الآخرة بحالها [لا اصطفاء إبراهيم فحسب].
أدوات التأكيد في الآية ودلالتها على إثبات الآخرة لا صلاح إبراهيم فقط
ولهذا جاء التأكيد بـ (إنّ) للتأكيد، ثم جاء بالضمير (هو)، ثم قال: (في الآخرة)، ثم اللام في قوله تعالى:
﴿لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [البقرة: 130]
إنه لتأكيدٌ شديد. فهل هذا تأكيدٌ على صلاح إبراهيم، أم تأكيدٌ على الآخرة التي سيكون فيها من الصالحين؟
لتقرأ ولتتأمّل قول الله عزّ وجلّ:
﴿وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130]
من غير تأكيد، وجميعكم موافقون؛ فعندما أقول إنه صالحٌ لا أحد يخالف. فالتأكيد هنا للآخرة؛ إذن هناك آخرة، ومن المؤكّد أنّ إبراهيم سيكون فيها من الصالحين. وأؤكّد لكم مرةً بعد مرة أنه يوجد آخرة، وأنه في الآخرة:
﴿لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [البقرة: 130]
التشوف إلى الاقتداء بإبراهيم الأسوة الحسنة في الدنيا والآخرة
ثم يتشوّف ويأمل الإنسان أن يكون مثل تلك الأسوة الحسنة، ومثل هذا المثال الطيب، ومثل هذا الإنسان المرضيّ عنه من الله، الذي اصطفاه في الدنيا وفي الآخرة سيكون من الصالحين.
فنتساءل: كيف أكون أنا أيضًا كذلك، يا ربّ؟ أي ولو بقدرٍ بسيط من ذلك، وكيف لا أكون ممّن أهلك نفسه وأضاعها؟
بيان علة الاصطفاء والصلاح وكيفية اتباع ملة إبراهيم
ثم قال: (إذ)، وأتى بها للتعليل، وبيان علّة الاصطفاء وعلّة الصلاح. وهذه العلّة ليست لبيان حال إبراهيم [فحسب]، لا، بل لبيان كيف تسير حتى تتّبع ملّة إبراهيم، حتى نرغب في ملّة إبراهيم.
ماذا تفعل في نفسك حتى تدخل في رضا الله سبحانه وتعالى؟ قال تعالى:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُٓ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: 131]
وهذا أمرٌ، وإذا أمر الله يجب عليك أن تسارع.
معنى أسلم وأركان الإسلام من إقرار واعتقاد وعمل
و(أسلم) ماذا تعني؟ أن يُسلم بقوله، وهذا نسمّيه الإقرار أو النطق، وهو الامتثال والاعتقاد الجازم في القلب بأنّ الله واحد، وأنه لم يترك البشر هملًا، وأنه يُنزل الكتب والوحي، ويأمر وينهى ويكلّف، وأنّ هناك يومًا آخر يرجع فيه الإنسان إلى ربّه للحساب.
فيعتقد بذلك، ويترتّب على ذلك ملامح ومعالم للحلال والحرام فيتّبعها.
كيفية المبادرة عند أمر الله بالإسلام والامتثال الفوري
كيف تكون المبادرة؟ عندما يقول لك الله (أسلم)، ما أوّل شيءٍ أفعله؟ الامتثال، والذي يتمثّل في النطق والمعتقد والعمل.
ما الذي أستطيع أن أفعله في الوقت الحاضر؟ ما الآن الذي أستطيع أن أعمله الآن؟ النطق.
دلالة حذف الفاء في قال أسلمت على فورية استجابة إبراهيم
إذن قال سيدنا إبراهيم: (قال)، ما لم يقل (فقال). قال له [ربّه]: (أسلم)، قال: أسلمتُ. ولو قال (فقال) فذلك يعني أنّ سيدنا إبراهيم انتظر قليلًا وبعدها قال: (يا ربّ أنا أسلمتُ، أنا موافق).
تعلم لو كان هكذا فهو يريد أن يعمل بالنطق المُظهِر للاعتقاد، فيكون قد قام بالعمل وبالكلام باللفظ وبالاعتقاد وإظهاره فورًا.
فلمّا قال له ربّه: (أسلم) لم يتأخّر ولم يقل سأفعل لاحقًا، بل قال مباشرةً: (أسلمتُ).
الفورية في الاستجابة لأمر الله سبيل الاصطفاء والصلاح
لم تكن هناك فترة زمنية إلا الفترة التي بين الأمر والسمع والاستجابة، والتي نسمّيها الفورية، بلا تأخّر.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُٓ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 131]
فلا يوجد تلكّؤ، ولكن يوجد فرارٌ إلى الله سبحانه وتعالى، ويوجد مسارعةٌ إلى الخير.
فهذا إذن هو الذي يجعلك من المصطفَين الأخيار في الدنيا بالتوفيق الإلهي، ومن الصالحين في الآخرة. إذن فإبراهيم كان أسوةً حسنة، فاللهمّ ألحقنا به وتوفّنا على ملّة الإسلام.
