سورة البقرة | حـ 140 | آية 130 : 131 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

"وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ" ﴿[البقرة: ١٣٠]، في هذه الآية خبران: خبر لم يتم فيه التأكيد، وخبر الآخر تم فيه التأكيد؛ فقوله تعالى: "وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَٰهُ فِى ٱلدُّنْيَا" [البقرة: ١٣٠]، في الدنيا جاء بلا تأكيد؛ لأنه أمر ظاهر ، سهل، كأنه حقيقة مرئية. "وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا" [البقرة: ١٣٠]، فمن رأي النبي تأكد من ذلك فسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كان فريداً، كان أمة واحدة، كان
نبيا من أولي العزم. إن أتباع الرسل الآخرين يعظمون سيدنا إبراهيم ويبجلونه وهو مذكور عندهم في كتبهم على صفة التعظيم والتبجيل. وأيضا مشركي مكة كذلك كانوا يعظمونه؛ فسيدنا إبراهيم أبوهم الكبير ولا يستطيعون أن يقولوا فيه شيئا من ناحية العصبية ولا من ناحية النسب ولا من ناحية العشائرية فلا أحد يعترض على قوله تعالى:( وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا)؛ إذ الجميع متفقون على ذلك، سواء كان مشركا
أم متدينا بدين من أديان الأنبياء قال تعالى: "وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا" [البقرة: ١٣٠]، نحن اصطفيناه في الدنيا ذكرت من غير تأكيد أما قوله تعالى: "وَإِنَّهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ" [البقرة: ١٣٠]، فقد جاء مؤكدًا، لأن المشرك ينكر وجود الآخرة أصلاً، أصلا ولا يؤمن بحساب ولا بعث، ويحتاج إلى تأكيد لأن التأكيد إنما يكون لمن أنكر فالسؤال هل ينكر أحد قال هذا سينكر الآخرة كلها هو سينكر إبراهيم فقط هذا سينكر الآخرة بحالها ولهذا جاء التأكيد ب (وإن) إن للتأكيد) هو
إن هو فجاء بالضمير في الآخرة (لَ) واللام في قوله تعالى:"لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ" [البقرة: ١٣٠]، إنه لتأكيد شديداً فهل هذا تأكيد على صلاح إبراهيم أم تأكيد على الآخرة التي سيكون فيها من الصالحين؟ لتقرأ ولتتأمل؛ قول الله عز وجل ولقد اصطفيناه في الدنيا ومن غير تأكيد وجميعكم موافقون؛ فعندما أقول إنه صالح لا أحد يخالف فالتأكيد هنا للآخرة إذن هناك
آخرة ومن المؤكد أن إبراهيم سيكون فيها من الصالحين وأؤكد لكم مرة بعد مرة أنه يوجد آخرة وانه في الآخرة (لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ثم يتشوف ويأمل الإنسان على أن يكون مثل ذلك الأسوة الحسنة ومثل هذا المثال الطيب ومثل هذا الإنسان المرضي عنه من الله الذي اصطفاه في الدنيا وفي الآخرة سيكون من الصالحين، فنتسأل: كيف أكون أنا أيضا كذلك، يا رب؟ أي ولو بقدر بسيط من ذلك، وكيف لا أكون ممن أهلك نفسه وأضاعها؟
ثم قال:"إذ" ، وأتى بها للتعليل، وبيان علة الاصطفاء وعلة الصلاح. وهذه العلة لبيان حال إبراهيم، لا، بل لبيان كيف تسير حتى تتبع ملة إبراهيم، حتى نرغب في ملة إبراهيم، ماذا تفعل في نفسك حتى تدخل في رضا الله سبحانه وتعالى،قال تعالى: "إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ" [البقرة: ١٣١]، وهذا أمر، وإذا
أمر الله يجب عليك أن تسارع، و(أسلم) ماذا تعني؟ أن يسلم بقوله، وهذا نسميه الإقرار، أو النطق، وهو الإمتثال والاعتقاد الجازم في القلب بأن الله واحد وأنه لم يترك البشر هملا وأنه ينزل الكتب والوحي ويأمر وينهى ويكلف وأن هناك يوما آخر يرجع فيه الإنسان إلى ربه للحساب فيعتقد بذلك ويترتب على
ذلك ملامح ومعالم للحلال والحرام فيتبعها، يسأل الشيخ علي لسان القارئ: كيف تكون المبادرة؟ عندما يقول لك الله (أسلم) ما أول شيء أفعله؟ يجيب الشيخ: الإمتثال و الذي يتمثل في النطق ؛المعتقد و العمل الذي الذي أستطيع أن افعله في الوقت الحاضر ؟ ما الآن الذي أستطيع أن أعمله الآن النطق إذن قال سيدنا إبراهيم (قال) ما لم يقل (فقال) قال له (أسلم) قال أسلمت. ولو قال (فقال) فذلك
يعني أن سيدنا إبراهيم انتظر قليلا وبعدها قال (يا رب أنا أسلمت) أنا موافق تعلم لو كان هكذا فهو يريد أن يعمل بالنطق المظهر للإعتقاد فيكون قد قام بالعمل وبالكلام باللفظ وبالإعتقاد وإظهاره فورا. فلما قال له ربه: (أسلم) لم يتأخر ولم يقل سأفعل لاحقاً، بل قال مباشرة: (أَسْلَمْتُ) لم تكن هناك فترة زمنية إلا الفترة التي بين الأمر
والسمع والإستجابة والتي نسميها الفورية، بلا تأخر. "إِذْ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ " [البقرة: ١٣١]، فلا يوجد تلكؤ، ولكن يوجد فرار إلى الله سبحانه وتعالى، ويوجد مسارعة إلى الخير، فهذا إذن هو الذي يجعلك من المصطفين الأخيار في الدنيا بالتوفيق الإلهي ومن الصالحين في الآخرة، إذن فإبراهيم كان أسوة حسنة فاللهم ألحقنا به وتوفنا على ملة الإسلام.