سورة البقرة | حـ 141 | آية 132 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص مفهوم الكلمة في قوله تعالى: "ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب"، حيث تطلق الكلمة على اللفظ المفرد وعلى الجملة المفيدة أيضاً.
- •المقصود بالكلمة في الآية هي "أسلمت لرب العالمين" وهي جملة كاملة وليست مفردة كما يظن بعض الجهلة بلغة العرب.
- •تتضمن وصية إبراهيم لبنيه مسؤولية الآباء في تعليم أبنائهم وتربيتهم على التوحيد الصحيح.
- •ذكر يعقوب في الآية يدل على استمرارية نقل الدين من جيل إلى جيل دون انقطاع.
- •التربية عملية مركبة ومستمرة تسير مع الإنسان طوال حياته وليست مرحلة تنتهي.
- •في قوله: "إن الله اصطفى لكم الدين" يشرح تحول التاء في "افتعل" إلى طاء بسبب وقوعها بعد حرف من حروف الإطباق الأربعة: الصاد والضاد والطاء والظاء.
- •الاستمرار في نقل الدين يكون عبر الأشخاص وعبر الزمان لتستمر عملية التربية الإسلامية.
معنى الكلمة في اللغة العربية بين اللفظ المفرد والجملة المفيدة
يقول ربنا سبحانه وتعالى عن سيدنا إبراهيم:
﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132]
هذا بعد ما قال:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُٓ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 131]
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ، هذه في اللغة العربية تسمى ماذا؟ كلمة. فالكلمة تُطلق ويُراد منها اللفظ المفرد، والكلمة تُطلق ويُراد منها الجملة المفيدة.
«أصدق كلمة قلتها وقالها الأنبياء من قبلي: لا إله إلا الله»، إذن «لا إله إلا الله» كلمة، و«أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ» كلمة.
الرد على من يجهل أن الكلمة تطلق على الجملة المفيدة في لغة العرب
وبعد ذلك يقول [الله تعالى]: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ﴾، التي هي ماذا؟ بالكلمة هذه [أسلمت لرب العالمين]. هل هذه كلمة واحدة؟ فيأتي شخص من المضحكين الجهلة بلغة العرب وبنفسه يقول: هذه «أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ» هؤلاء أربع كلمات أم خمس؟ أيضًا: أسلمَ، والتاء، واللام، ورب، والعالمين، تكون خمس كلمات!
لا يدرك أن الكلمة تُطلق ويُراد منها الجملة المفيدة. فلما أرجع عليها الضمير [في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ﴾]، هذه الكلمة كلها، ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ﴾ بتلك الكلمة، وهي إعلان الإسلام الذي يشمل النطق وإظهار الاعتقاد، وهو نفسه في حد ذاته ولأنه محرك للسان هو عمل بالجوارح؛ فيجمع بين كل ذلك ويسارع فيه.
وصية إبراهيم لبنيه تشتمل على مسؤولية تعليم الآباء للأبناء
﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: 132]
﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: 132]
تشتمل على تعليم الآباء للأبناء؛ إن الآباء مسؤولون عن تعليم أبنائهم. وتشتمل على أساس هذا التعليم وهو تعليم الحقائق لا الخرافات، تعليم المبني على التوحيد؛ فهو تعليم مستنير، لا المبني على المعلومات السطحية، ولا المعلومات العميقة دون ربطها بخالقها.
﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـمُ بَنِيهِ﴾ [البقرة: 132]
بها هذه الأساس لتعليم مضمونه المبادرة إلى الخير. إذن ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ﴾ تأخذ منها مسؤولية التربية والتعليم.
عطف يعقوب على إبراهيم ووجوب استمرار نقل الدين من جيل إلى جيل
﴿وَيَعْقُوبُ﴾ مرفوعة معطوفة على إبراهيم. إبراهيم أنجب إسحاق، وإسحاق أنجب يعقوب، ويعقوب أنجب يوسف وإخوته. يبقى إذن لا بد من الاستمرار في نقل هذا الدين من جيل إلى جيل، وأن الانقطاع من موارد الهلاك.
عندما نتدين جيلًا أو جيلين وبعد ذلك نترك، فتتحول العبادة إلى عادة، فتصبح مصيبة سوداء. نحن نريد أن يحمل المشعل الخلفُ عن السلف بصورة مستمرة.
ما قال: ووصى بها إبراهيم بنيه وبنوه أبناءهم وأبناء أبنائهم، وفي صياغات كذلك، ولكن هذا القرآن، انظر الكلام يريد أن يعطيك الاستمرار، فيقول لك ماذا:
﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: 132]
الله يا يعقوب، أين هو؟ مستمرة. ما الذي تأخذه منها؟ الاستمرار في التربية.
التربية عملية مركبة ومستمرة تسير مع الإنسان والأمم عبر الزمان
إذن هذه التربية عملية بسيطة أم مركبة؟ هذه عملية مركبة. عملية مفردة أم مستمرة؟ هذه عملية مستمرة. عملية تنتهي هكذا بانتهاء مرحلة — خذ ابتدائية، إعدادية، ثانوية، جامعة، دكتوراه وهكذا — أم عملية مستمرة مع الإنسان دائمًا؟ بل هي تسير مع الإنسان دائمًا، يسير مع الإنسان دائمًا.
كيف؟ سنرى الآن الآية التي تليها؛ لكي يؤكد لك أن الاستمرار إنما يكون عبر الأشخاص، ويكون أيضًا عبر الزمان في حياة الإنسان وفي حياة الأمم. الاستمرار هي الكلمة هكذا:
﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]
الدعاء بحسن الختام والحمد لله على نعمة الإسلام
آمين يا رب. ربنا أنعم علينا بالإسلام ونسأله أن ينعم علينا بحسن الختام. ربنا أنعم علينا بالإسلام، الحمد لله من غير حول منا ولا قوة، ونسأله أن ينعم علينا بحسن الختام فنلقاه غير خزايا ولا مفتونين، بعد أن شرح صدورنا للنور الذي جاء به سيد المرسلين ﷺ.
يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:
﴿يَـٰبَنِىَّ﴾ [البقرة: 132]
على لسان يعقوب [عليه السلام]:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ﴾ [البقرة: 132]
التحليل الصرفي لكلمة اصطفى وسبب تحول التاء إلى طاء بعد حروف الإطباق
اصطفى هذه من أين جاءت؟ على أي وزن؟ قال: افتعل. قال: أين التاء هذه؟ إن التاء من حروف الزيادة يجب أن تظهر: احتكر، افتعل، التاء ظهرت هنا وهنا. فهي اصطفى أم — لماذا تحولت التاء إلى طاء؟
قال: لأن قبلها حرفًا من حروف الإطباق الأربعة: الصاد، والضاد، والطاء، والظاء. افتعل هكذا: عندما يكون الفاء التي هي في الميزان الصرفي — هذه الفاء التي تكون هنا — الحرف الأول يكون أمامه صاد أو ضاد أو طاء أو ظاء، فالتاء تتقلب على طول ماذا؟ تتقلب طاءً.
فتكون اضطرَّ: افتعل أيضًا، لكن أصبحت طاءً. يبقى اضطرد: هذه أصبحت طاءً، وبعد ذلك طاءً، فأصبحت اضطرد، افتعل أيضًا.
حتى الإمام ابن مالك يقول: قل ماذا؟ «طا تا افتعال رُدّ»، يعني: رُدَّ تاء الافتعال إلى طاء إثر مُطبَق، أي لو جاءت وراء المطبق وهو الصاد والضاد والطاء والظاء. في «ادّان وازدد وادّكر دالًا بقي، طا تا افتعال رُدّ أثر مطبق». هنا فقد جاءتنا مع اصطفى.
