سورة البقرة | حـ 142 | آية 132 : 134 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 142 | آية 132 : 134 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • وصّى إبراهيم ويعقوب أبناءهما بكلمة التوحيد قائلين: "إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
  • هذا التكليف يعني وجوب الاستمرار على الإسلام والطاعة في كل لحظة، فالإنسان لا يعلم متى يأتيه الموت.
  • المطلوب ليس مجرد النطق بالشهادة، بل الخلوص لله والمسارعة في الخيرات والتبرؤ من المعاصي.
  • حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ارتكاب الكبائر التي تنقص الإيمان.
  • استمر يعقوب على التوحيد حتى عند احتضاره، حيث سأل بنيه: "ما تعبدون من بعدي".
  • استخدم "ما" للتعبير عن عظمة الله الذي لا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء.
  • أجاب أبناؤه: "نعبد إلهك وإله آبائك"، مؤكدين استمرارهم على الدين دون تغيير أو بدعة.
  • هذا يبين أهمية نقل الدين من جيل إلى جيل، وأن الإله واحد لا يتغير.
  • هذا الأمر ينفي التمييز العنصري، فلا ينفع أحداً الاعتماد على نسبه لإبراهيم وذريته دون عمل صالح.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

وصية إبراهيم ويعقوب لأبنائهم بكلمة التوحيد والثبات على الإسلام

ووصّى بها -يعني بكلمة التوحيد وإشهار الإسلام- إبراهيمُ بنيه ويعقوبُ:

﴿يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]

قالوا: هذا أشدّ تكليف على المؤمن؛ ﴿لَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، هذا يكلّفهم. حسنًا، وأنا أعرف أنني سأموت، متى؟ هذا أنا يمكن أن أموت الآن، يمكن أن أموت، يمكن أن أموت بعد سنة أو بعد سنتين، فماذا أفعل؟

قال: كن على الخير دائمًا، حتى إذا أتاك الموت وجدك على هذه الصفة [صفة الإسلام والطاعة].

معنى الثبات على الإسلام حتى الموت ولوازمه من إخلاص وعمل صالح

هذا يعني: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، التي ذُكرت في نصف سطر، لا تستغرق ربع دقيقة لتنفيذها.

إذن لا بدّ أن تُخلص الدين لله، ولا بدّ أن تسارع في الخيرات، ولا بدّ أن تتبرّأ من المعاصي، ولا بدّ أن تكون عبدًا صالحًا ربّانيًّا.

ومن أجل ذلك كانت هذه الآية وهذا التكليف من أعظم التكاليف؛ ليس مجرد أن تقول "أسلمتُ"، لا، هذا لا بدّ أن يأتيك الموت فيجدك مسلمًا حقًّا.

تحذير النبي ﷺ من ارتكاب الكبائر وخطورة الموت على المعصية

ولذلك حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

قال النبي ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»

أي: ابتعدوا عن هذه القاذورات، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو [مؤمن]. حسنًا، افترض أنه يسرق فجاءه الأجل، فسيكون مرتكبًا كبيرة، وكل شيء، ولن يخلد في النار، ولا أدري ما هذا الكلام، ولكن أين كمال الإسلام إذن؟ لا يوجد.

حسنًا، ألستَ أنت [مطالبًا بكمال الإسلام]؟ لقد خسرتَ كثيرًا هكذا، لقد خسرتَ كل شيء. فلا بدّ أن تكون عبدًا صالحًا دائمًا، هذه هي الكلمة [كلمة التوحيد والثبات عليها].

ديمومة يعقوب على التوحيد حتى فراش الموت ووصيته لأبنائه

وهذه الديمومة [الاستمرار على التوحيد] نراها في قوله تعالى:

﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ﴾ [البقرة: 133]

﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، وقال لهم كما قال إبراهيم لبنيه: أسلمتُ لربّ العالمين.

وهل يعقوب الذي قال هذا في حين الصحة رجع فيه؟ ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى﴾ [البقرة: 133]. يبقى إذن يعقوب مستمرّ [على التوحيد] أم لا؟ حتى وهو جالس على فراش الموت، من المهد حيث كان صغيرًا إلى اللحد حيث يموت، وهو مستمرّ على عبادة الله وحده.

سرّ استخدام "ما" بدل "من" في سؤال يعقوب عن المعبود تعظيمًا لله

﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى﴾ [البقرة: 133]، قال: لماذا لم يقل "مَن تعبدون من بعدي"؟ هذه "ما" في لغة العرب لغير العاقل. قال: تُستعمل للعاقل للتعظيم، وأنت تعبد مَن؟ ربّ العالمين العظيم الأجلّ الجليل.

يبقى لا يصحّ هكذا أنه هنا في الموقف هذا يقول هكذا [أي: يستخدم "مَن" للمخلوقات]. طيب، وربّ العالمين تدركه الأبصار؟ قال: لا تدركه الأبصار. قال: إذا ما دام لا تدركه الأبصار فيُعبَّر عن ذلك بـ"ما".

[لأنه لو قال] "مَن تعبدون" كانوا سيبحثون في أذهانهم عن شيء يكونون قد رأوه؛ إنسان أم صنم. لكن "ما تعبدون من دون الله"، يا سبحان الله! ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ على الفور سيشعرون بأن هذا الشيء العظيم الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، الذي ليس كمثله شيء، الذي هو أحدٌ فردٌ صمدٌ لم يكن له كفوًا أحد.

جواب أبناء يعقوب بعبادة إلهه وإله آبائه ومعنى الاستمرار في الدين

﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ﴾ [البقرة: 133]

yعني ماذا؟ لم يقولوا "إلهنا"، قالوا "إلهك". معنى ذلك ماذا؟ الاستمرار؛ يعني نحن لن نغيّر. معنى ذلك أنه لا [تبديل] ولا بدعة ولا كلام جديد؛ لأن الله حقٌّ ثابتٌ غير متغيّر.

فنعبد إلهك كما كنّا، ومعناها نقل الدعوة من جيل إلى جيل، وهذا أحد المهامّ، وليس أن نشتغل بعمارة الدنيا وننسى ذلك النقل. لا بدّ علينا من أن ننقل هذا الدين لمن بعدنا.

تأكيد أبناء يعقوب على وحدانية الإله وعدم التغيير في العقيدة

﴿نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ ءَابَآئِكَ﴾ [البقرة: 133]، يريدون أن يبيّنوا له أيضًا عدم التغيير، وأنه لم يكن بِدعًا من الرسل. وإله آبائك هو إلههم وإله آبائهم.

هو متعدّد؟ هو إله واحد ثابت حقّ؛ إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، إله واحد. حتى لا يأتي أحد أيضًا ويتبجّح ويقول إن حرف الواو يقتضي المغايرة ويظلّ يتفاخر بما لا يعلم وهو أجهل خلق الله.

لا، بل يقول لك: الإله واحد. فما الحاجة إلى هذا؟ هذا حشو؟ بل ليس حشوًا، فليقطع [هذا الكلام]، وهو في مقام العقيدة والقضية الأجلّ، على كل أحد من البُغاث أن يتكلّم [فيها بعلم].

إسلام أبناء يعقوب لله وحده وبيان أن النسب لا يغني عن العمل

﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133]

على فكرة، وهو كلام إبراهيم: أسلمتُ لربّ العالمين، وهذا كان امتثالًا مباشرًا وفوريًّا على الفور للأمر [الإلهي].

طيب، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: 134]، الأمة هذه بهذه الصفة التي وصفناها، لا يعتمد أحدكم بنسبه عليها ويكتفي بأنه من أبناء إبراهيم وإسماعيل ومن أبناء إسحاق ويعقوب.

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ [البقرة: 134]، هي الأساس الواضح البيّن بنصّ لا غبار عليه في نفي التمييز العنصري [القائم على النسب دون العمل].