سورة البقرة | حـ 146 | آية 136 : 138 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 146 | آية 136 : 138 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الإيمان الحقيقي يتطلب الإيمان بجميع المرسلين دون إنكار لأحدهم أو كتبه أو وحيه.
  • الإسلام أمة بنسق مفتوح تدعو الجميع بلا تفرقة بين أبيض وأسود أو عربي وأعجمي، والمعيار هو التقوى.
  • ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم من حكمة الله لمنع الشقاق، فلو جاء نبي بعده لانقسم الناس.
  • المسلم مطالب بتعليق قلبه بالله والتوكل عليه وطلب العون منه والأخذ بالأسباب ثم الدعاء.
  • أمر الله المسلمين بإعداد القوة لردع أعدائهم، مع التوكل عليه سبحانه.
  • الدعاء عبادة والله هو السميع العليم، يستجيب لمن دعاه وهو عالم بحال المصلحين والمفسدين.
  • صبغة الله تعني الطهارة ظاهراً بالوضوء والاغتسال، وباطناً بالإيمان والتوحيد.
  • المسلمون يدعون إلى صبغة الله وهي الأحسن، وهم له عابدون.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

شرط الإيمان الكامل بالاستيعاب والعالمية والمساواة بين الناس

﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾، أي الكون كله، المشركون وغير المشركين جميعًا. ﴿فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ﴾ [البقرة: 137]

من الاستيعاب [أي استيعاب الرسالة للناس جميعًا]؛ إننا قد استوعبنا الناس أجمعين، وأنها أمة بنسق مفتوح، ترى الدعوة للجميع من غير تفرقة بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وأعجمي، والمعيار هو التقوى.

نوحد الله ونؤمن بالوحي والتكليف، ونلتزم به في حياتنا الدنيا، ونعلم أن هناك يومًا آخر نعود فيه إلى ربنا للحساب؛ للثواب أو العقاب، فنخاف غضبه وسخطه، ونرجو رحمته سبحانه وتعالى.

الإيمان بجميع المرسلين شرط الهداية ومن تولى فهو في شقاق

﴿فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ﴾ [البقرة: 137]

من الإيمان بجميع المرسلين من غير إنكار لأحد، لا في نفسه ولا في كتابه ولا في وحيه.

﴿فَإِنْ ءَامَنُوا بِمِثْلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ ٱهْتَدَوا﴾ [البقرة: 137]

فتلك هي الهداية.

﴿وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ﴾ [البقرة: 137]

فلن تعرف حينئذ مقياس الحق أين يكون.

حفظ الله للقرآن ليكون مهيمنًا ومعيارًا للحق بين الناس

ولذلك ربنا لما أنزل الكتاب حفظه ليكون مهيمنًا لما بين يديه من الكتاب [أي الكتب السماوية السابقة]، ليكون معيارًا للحق حتى لا يكون هناك خلاف.

وحفظ على الأمة أشياء، منها أنه ختم الرسالة بمحمد صلى الله عليه وسلم.

لماذا يؤدي استمرار النبوة بعد محمد إلى الشقاق الدائم بين الناس

فتصور لو أن النبي [محمدًا ﷺ] لم يكن آخر الأنبياء وجاء نبي بعده، فآمن نصفنا بهذا النبي الجديد وكفر نصفنا به، فهؤلاء الكفار بالرغم من إيمانهم بمحمد ﷺ سيصبحون كافرين بنبي من عند الله لو جاء آخر، أي النبي الثاني بعد النبي ﷺ.

يعني قوم هذا النص [أي النبي الجديد] الذي آمن بالأول نصفه سيؤمن ونصفه سيكفر. أسيبقون في شقاق أم لا؟ سيبقون في شقاق.

فكرة استمرار النبوة تؤدي إلى الشقاق مع فكرة العالمية، مع فكرة العالمية. لكن فكرة أن النبي مرسل لأمته فقط لا تؤدي إلى شقاق، لكن [إذا] أُرسل إلى العالمين وبعد ذلك يُرسل بعده واحد، فإن العالمون هؤلاء ينقسمون إلى قسمين، وبعد ذلك الواحد الآخر ينقسم إلى قسمين ويبقون في شقاق.

من لم يؤمن بسيد الخلق بقي في شقاق والله يكفي نبيه

فإذا لم نؤمن بسيد الخلق [محمد ﷺ] سنبقى في شقاق.

﴿وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِى شِقَاقٍ﴾ [البقرة: 137]

لا يعرفون رؤوسهم من أرجلهم.

﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 137]

فماذا أفعل بهؤلاء الذين في الشقاق؟ لقد تعبت! هكذا قال له [أي قال النبي ﷺ لربه]، [فأجابه الله]: لا، إن ربنا سيكفيك.

مطالبة المسلم بتعليق قلبه بالله والتوكل عليه والأخذ بالأسباب

يبقى المسلم مطالبًا بأن يعلق قلبه بالله، مطالبًا بأن يتوكل على الله، مطالبًا بأن يطلب العون من الله وحده، مطالبًا بأن يأخذ بالأسباب ثم يدعو رب الأرباب.

يتمسك بالأسباب، يعني يعمل ما أمره الله به، ويدعو رب الأرباب؛ لأنه يعرف أن التوفيق إنما هو من عند الله وحده.

صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، إنما هزم الأحزاب وحده.

وجوب إعداد القوة والردع مع التوكل على الله والعمل بالأسباب

ويبقى [أنه إذا] لا نُعِدّ لهم ما استطعنا من قوة فسنكون مخالفين. ألا نتوحد؟ ما هو سنكون مخالفين! ألا نعمل بالليل والنهار في النظر في الكون واستخلاص القوة كما أرادها الله؟ ما [هو] نحن نبقى مخالفين!

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]

التي نسميها الآن قوة الردع. العدو يعرف أن هناك ردعًا، حينها يسكت. قوة الردع.

وجوب التلبس بالأسباب ثم التوكل على الله كما فعل النبي في أحد

إذا لا بد لنا من أن نطيع أولًا فنتلبس بالأسباب، كما خرج النبي ﷺ في [غزوة] أُحد فقال [أي لبس] بين درعين، تلبّس بالأسباب.

إذن ثم توكل على الله.

﴿وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]

﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 137]، سيكفيكهم الله.

تعليق القلب بالله والدعاء الدائم هو العبادة التي يطلبها الله

يعني ماذا نعمل نحن؟ نعلق قلوبنا بالله، نتوكل على الله، نطلب من الله، ندعو الله دائمًا وأبدًا.

قال رسول الله ﷺ: «الدعاء هو العبادة»

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى﴾ [غافر: 60]

إذا الدعاء عبادة.

معنى اسم الله السميع وارتباطه بالاستجابة للدعاء والكفاية

فهو سبحانه يقول وهو السميع. السميع؛ لأن هناك دعاء. من أين أتى الدعاء؟ من أين يأتي؟ لم يُذكر دعاء هنا [في الآية صراحةً]، قال:

﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 137]

فسيكفيكهم الله، تكفّل الله بكفايته.

وهذه الكفاية من أين ستأتي؟ من التوكل والتعلق بالله والطلب والدعاء. وعندما أدعو ربي فسيسمعني، وهو السميع العليم.

إذن السميع معناه أنه يستجيب للدعاء، ولذلك وأنت ترفع من الركوع تقول ماذا؟ سمع الله لمن حمده، أي استجاب الله لمن حمده.

معنى اسم الله العليم وعلمه بحال المصلحين والمفسدين وحكمه بينهم

الله حكيم قوي، ولذلك فهو لا يظلم أحدًا. فقال: السميع العليم.

العليم بحالك من الإصلاح، وبحالهم من الشقاق والإفساد، هو الذي يحكم بيننا. اتركها لله.

وهنا التبرؤ من الحول والقوة وإثبات الحول والقوة إلا بالله [أي لا حول ولا قوة إلا بالله].

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من الكنوز التي تحت العرش»

معنى صبغة الله وأصلها في تطهير يحيى عليه السلام للناس في نهر الأردن

﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 138]

ما هذه الصبغة؟ قالوا: كان سيدنا يحيى [عليه السلام] يصبغ الناس في نهر الأردن، يصبغهم أي يطهرهم، يغطسهم في المياه، وبعد أن يغطسهم في المياه يتطهروا.

فالطهارة أول العبادة، ولذلك ترى المسلم يتوضأ ويصلي، وإذا كان هناك جنابة فيقوم بالاغتسال ويصلي.

صبغة الله في الإسلام هي الوضوء والطهارة ظاهرًا والإيمان باطنًا

﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 138]

يعني لما جاء شرع المسلمين جعل الله هذه الصبغة التي كان يفعلها يحيى عليه السلام جعلها في صورة الوضوء، يعني المسلم يصبغ نفسه دائمًا صبغة الله.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدُونَ﴾ [البقرة: 138]

هذا الذي يدعونا إليه ربنا هو الطهر والطهارة والنقاء؛ ظاهرًا بالاغتسال والوضوء، وباطنًا بالإيمان والتوحيد. هذه صبغة الله.

دعوة الإسلام إلى صبغة الله مقابل دعوات الشرك والقاذورات

إلى ماذا تدعوننا؟ إلى القاذورات؟ إلى الشرك؟ إلى الوثن؟ أم إلى ماذا تدعوننا بالضبط؟

نحن ندعوكم إلى صبغة الله.

﴿صِبْغَةَ ٱللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138]

سؤال: هل هناك أحسن من هذا؟

﴿وَنَحْنُ لَهُ عَـٰبِدُونَ﴾ [البقرة: 138]