سورة البقرة | حـ 148 | آية 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 148 | آية 140 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يوضح القرآن أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا قبل موسى وعيسى، فلا يمكن أن يكونوا هوداً أو نصارى.
  • من يدعي غير ذلك فهو يقول قولاً بلا دليل أو برهان، ولا يؤيده وحي أو تاريخ.
  • مصادر المعرفة المعتمدة إما الكون بدراسته والتأمل فيه، أو الوحي الإلهي.
  • أشار الله لهذين المصدرين في بداية الوحي "اقرأ باسم ربك الذي خلق" للقراءة في الأكوان، و"اقرأ وربك الأكرم" للقراءة في كلام الله.
  • محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء الذي أبقى الله قبره ونسله وكتابه وقبلته.
  • يؤكد النص ضرورة الإنصاف وعدم خداع النفس في طلب الحق والاعتراف به.
  • على المسلم تدريب نفسه على الإنصاف والعدل حتى مع من يبغضهم.
  • من يكتم الحق مع علمه به فهو ظالم، والله ليس بغافل عما يعمل الناس.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

مقدمة تلاوة آية سورة البقرة حول ملة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَٰهِـمَ وَإِسْمَـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَٱلْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ﴾ [البقرة: 140]

فهؤلاء [الأنبياء الكرام] كانوا قبل موسى وقبل عيسى، والذي يريد أن يجعل هؤلاء أتباعًا لليهودية أو للنصرانية فإنه يدّعي أنهم كانوا بعد أولئك الرسل الكرام، بعد موسى وبعد عيسى، وهذا لا يُقرّه وحيٌ سابق ولا لاحق، ولا يُقرّه تاريخ ولا أثر؛ فهو قولٌ مجرّد عن الدليل.

مصادر المعرفة المعتمدة بين قراءة الأكوان وقراءة كلام الرحمن

وإذا تعالَمَ أحدهم وادّعى غير ذلك ولا برهان له ولا دليل له، ولا دليل على ما يقول، فإن الله سبحانه وتعالى يردّه إلى الوحي. وهو [أي القرآن] يُثبت أن مصدر المعرفة قد يكون ذلك الكون في سيرنا فيه، في النظر، في التأمل، في التدبر، في الدراسة، في الوعي بمعلومات هذا الكون الذي خلقه الله حسًّا أو تاريخًا، وقد يكون هو الوحي.

فهنا إشارة إلى ما بدأ الله به كلامه مع نبيه صلى الله عليه وسلم، أن هناك قراءة في الأكوان وهناك قراءة في كلام الرحمن:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

إذ أرشدنا إلى أن نقرأ الخليقة، وأرشدنا إلى أن نقرأ كلام الله سبحانه وتعالى:

﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]

والقلم إشارة إلى الوحي:

﴿نٓ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: 1-2]

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

بطلان دعوى يهودية الأنبياء وإرشاد الله إلى مصادر المعرفة المعتمدة

وهنا يقول [الله] لهم: ما دام ليس معكم آثار من علمٍ مردّه إلى الكون ولا إلى كلام الرحمن، فإنكم تكونون على خطأ بيّن. وفي هذا إشارة خفية لمصادر المعرفة المعتمدة التي يرضى عنها الله ويرضى عن العلم بها ويُرشد إليها.

﴿قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 140]

أأنتم الأعلم أم ربنا؟ لأن هذا [الأمر] ليس فيه أي دلالة إلا من قِبَل الوحي، سواء كان هذا الوحي في التوراة أو في الإنجيل أو في القرآن.

الدلائل الحسية على صدق نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وبقاء أثره

وهنا يُرشدنا ربنا إلى أن من أراد الحسّ [أي الدليل الحسي المادي] فإنه لا يكون له ذلك إلا من طريق النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو الذي أبقى الله قبره وأبقى نسله وأبقى كتابه وأبقى قبلته حسًّا.

وهو الذي أجمع كل الناس، مؤمنهم وكافرهم، مسلمهم وغير مسلمهم، أن ها هنا وُلد النبي المصطفى والحبيب المجتبى، وأنه قد وُلد بمكة، وأنه من ها هنا هاجر النبي، وأنه هنا قد دُفن النبي محمد بن عبد الله، سواء من آمن به ومن كفر.

وليس هناك قبر نبيّ يُعلم، ولا هناك أهل نبيّ يُعلمون كما هو الحال في سيد الخلق أجمعين. أبقى الله ذكره ورفعه، وأبقى كتابه وحفظه، وأبقى قبلته ووجّه الناس إليها.

بقاء أمة الإسلام عزيزة رافعة رأسها عبر التاريخ بفضل الله تعالى

وجعل [الله] أمته [أمة النبي ﷺ] بالرغم من كل هذا البلاء الذي يحيط بها من كل جانب عبر التاريخ، جعلها باقية عالية رافعة رأسها، قوية في نفسها، محافظة على دينها، تزداد كل يوم والحمد لله رب العالمين من غير إكراه لأحد من الناس.

فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

﴿قُلْ ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَـٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 140]

إثم كتمان الشهادة والعلم بأحقية كلام الله في شأن الأنبياء

كلامٌ يُوجَّه إلى من عنده الشهادة والعلم، الذي يعلم قطعًا بعلمه؛ لأنه راسخ فيه، أحقية كلام الله، وأن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط لم يكونوا يهودًا ولم يكونوا نصارى، وأنهم كانوا سابقين على ذلك.

سواء أحصل هذا العلم من جانب الحسّ إن كان هناك عنده علم من حسّ، أو حصل ذلك من جانب الوحي الذي قد آمن به وكان يجب عليه ألا يكتمه.

﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 140]

من تدبير سيّئ، ومن معاداة غير مفهومة لدين الله، ومن إنكار لما هو منطوق به في كتب السابقين. كلامٌ لا يدخل في عقل عاقل ولا في إنصاف منصف؛ يخدعون أنفسهم والله ليس بغافل عما يعملون.

﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 140]

وجوب الإنصاف وتدريب النفس على العدل وعدم خداع الذات

ولأجل هذا الخداع ولأنهم يخدعون أنفسهم عن الحق، وهذا كلام موجّه إلينا [نحن المسلمين أيضًا]: إذا أردنا أن يرضى الله عنا نحن، فيجب ألا نتّبع مناهج قد أنكرها الله على الخلق. فلا يُغبّش أحدنا على نفسه، بل يكون منصفًا.

فإذا أردتَ أن يكون عقلك من العقول التي يرضى الله عنها، فلا بدّ لك أن تُدرّب نفسك وأن تُعلّم نفسك الإنصاف:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

لا تُغبّش على نفسك فتُدرك الواقع على غير ما هو عليه، ألا تخدع نفسك فتُنكر الحق. لا بدّ لك أن تكون شفافًا، تعترف بالخطأ وتُقرّ بالحق.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.