سورة البقرة | حـ 149 | آية 141 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم" تكررت في سورة البقرة مؤكدة أن الإنسان لا ينتفع بأمجاد أسلافه.
- •المسؤولية فردية، فكل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سبب ونسب النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- •تأييد رباني لنبينا محمد تمثل في بقاء ذريته رغم موت معظم أبنائه في حياته.
- •الله حفظ نسل النبي من ثلاثة أشخاص فقط: زيد الأبلج، والحسن المثلث، وعلي زين العابدين.
- •رفع الله ذكر نبيه بالأذان على المنابر وبتسمية الناس بأسمائه كمحمد وأحمد ومصطفى.
- •على أهل البيت مراعاة مقامهم الذي أقامهم الله فيه، وعدم إيذاء الناس.
- •قرر الله أن لا تزر وازرة وزر أخرى، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى.
- •المسؤولية في الإسلام فردية، ولا يُسأل الإنسان عن أمور لا اختيار له فيها كتاريخ ميلاده أو وفاته أو عرقه.
- •يُسأل الإنسان عن عمله الاختياري كالصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مقدمة تلاوة آية تلك أمة قد خلت من سورة البقرة وتكرارها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى عن أولئك الذين سبقونا:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134]
هذه الآية تكررت بعينها من قبل، بعد قصة إبراهيم وإسماعيل وما حدث بين إبراهيم وبنيه ويعقوب وبنيه من تحمّل دين الإسلام، وهو دين جميع الرسل من جيل إلى جيل.
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 141]
الآية تدعو إلى عدم الاعتماد على الأنساب والعمل لكسب الخير
مما يدعونا إلى ألا نعتمد على الأنساب باعتبار أن أمجاد السابقين من الآباء تكفينا، وإنما لا بد لنا من أن نكسب في أنفسنا خيرًا: عبادةً لله، وعمارةً للدنيا، وتزكيةً للنفس.
فكل سبب ونسب مقطوع يوم القيامة إلا ما كان سببًا يوصلنا إلى الأسوة الحسنة باتباعه صلى الله عليه وسلم:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
فكل سبب يوصلنا برسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعته وإقامة سنته في أنفسنا وشرعه في حياتنا فهو موصول يوم القيامة.
نسب النبي آية من آيات إثبات الدين وتصديق القرآن لسورة الكوثر
وكل نسب موصول بنبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبه آية من آيات إثبات الدين، وليست هي كل الآيات؛ فالآيات كثيرة، ولكن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صدّق القرآن:
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]
فكثر نسله، وقد أرانا الله أنه كان قادرًا على إهلاكهم حتى لا يبقى أحد؛ فمات الذكور من أبنائه في حياته، وماتت أم كلثوم ورقية وزينب في حياته، ولم تبقَ إلا فاطمة [رضي الله عنها].
بقاء نسل النبي من ثلاثة فقط دليل على التأييد الرباني
ولم أنجبت أم كلثوم ورقية، وأنجبت زينب بنتًا ماتت من غير أن تنجب. وفاطمة [رضي الله عنها] أنجبت الحسن والحسين ومحسنًا، فمات المحسن في حياته [صلى الله عليه وسلم]، ولم يبقَ إلا الحسن والحسين.
الحسن مات كل أبنائه وقد تزوج كثيرًا، وكانت القبائل تطلب النسب الشريف منه، كل أبنائه ماتوا إلا زيد الأبلج والحسن المثنى. ومات كل أبناء الحسين إلا علي زين العابدين.
يُرينا الله أنه كان قادرًا على أن يُفني الثلاثة، ومن الثلاثة جاء النسل الشريف وبقي إلى يومنا هذا شرقًا وغربًا.
نسل النبي المنتشر دليل على حفظ نسبه وتأييد الله له بالكوثر
يدلون على أن نسب النبي محفوظ، وعلى أنه عالي المقام، وعلى أنه ثابت يقينًا أن هناك من كان يُسمى محمد بن عبد الله؛ آمن به من آمن وكفر به من كفر. [وهذا] تأييد رباني لا بيد محمد ولا بيد غيره أن يبقى نسله، فيعطيه فعلًا الكوثر؛ لأنهم قد تكاثروا كثيرًا.
وكذلك إذا ما رجعت مرة أخرى في آخر الآيات:
﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 3]
مبغضك كارهك هو الأبتر الذي لا نسل له، ولا نعرف من هذا الأبتر؛ ذهب ذكره.
رفع الله ذكر النبي في الأذان والمنابر وتسمي الناس باسمه
لكن هنا [في شأن النبي صلى الله عليه وسلم]:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]
فرفع الله ذكره على المنابر وفي الأذان يطوف الأرض كل يوم، وأعلى ذكره حتى تسمّى الناس كثيرًا بـمحمد وأحمد ومصطفى وأسمائه صلى الله عليه وسلم، فكان ذلك أكثر عدد في الأرض.
على كل حال، كل سبب ونسب مقطوع يوم القيامة إلا سببي ونسبي صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لأن ذلك متصل بالدين.
مسؤولية أهل البيت في مراعاة مقامهم والتوبة إلى الله
وعلى أهل البيت الكرام أن يراعوا مقامهم الذي أقامهم الله فيه؛ فنرى بعضهم وقد أخذتهم الكبرياء يدعوهم إلى إيذاء الناس، فلا يكون ذلك حقيقة من أهل البيت، ويكون الخلل قد دخل عليهم من قِبَل الأمهات.
ونطالبهم بالتوبة إلى الله وبالرجوع إليه وبمراعاة رسول الله في أنفسهم. ورأينا بالتجربة أنهم وعلى الرغم من حماقة بعضهم في تصرفاتهم ومعصيتهم، يتوبون إلى الله قبل الوفاة إكرامًا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
تقرير مبدأ المسؤولية الفردية في القرآن وأن لا تزر وازرة وزر أخرى
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْـَٔلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134]
فأقرّ الله سبحانه وتعالى فيما أقره في الديانات من أنه:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
وأنه:
﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَىٰهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلْأَوْفَىٰ﴾ [النجم: 39-41]
وأن المسؤولية فردية؛ سيُعاقب عليها من الإثم، وسيُثاب عليها من الطاعة:
﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]
معنى لها ما كسبت ولكم ما كسبتم من إثم أو طاعة وما لا يُسأل عنه الإنسان
تلك أمة قد [خلت]، لها ما كسبت وما كسبت من إثم أو ما كسبت من طاعة، ولكم ما كسبتم من إثم أو من طاعة، ولا تُسألون عما كانوا يعملون.
فهناك أشياء لا يسأل الله عنها؛ أولها ما جُبلت عليه من تاريخ ميلادك، ومن ضيق رزقك أو سعته، ومن وقت وفاتك، ومن خلقك في أيّ [مكان]؛ أينما كنتم وعلى أي لون كنتم ومنتمين إلى أي عرق أو جنس، فكل ذلك لا يسألكم الله عنه.
الله يسأل عن العمل الاختياري من صلاة وزكاة وأمر بالمعروف
ولكنه يسألكم عن العمل الاختياري:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحج: 41]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
