سورة البقرة | حـ 153 | آية 142 : 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن آيات من سورة البقرة حول تحويل القبلة، وكيف رد الله على سؤال السفهاء بأسلوب حكيم "قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم".
- •خص الله المسلمين بنعم وهدايات كثيرة منها: بيته الحرام، يوم الجمعة، ليلة القدر، العشر الأوائل من ذي الحجة، يوم عرفة، وثلث الليل الأخير.
- •الإسلام دين منفتح للجميع وليس فيه أسرار تخص فئة دون أخرى، لكن كثيراً من الناس حرموا أنفسهم من هذه النعم.
- •قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً" تشريف وتكليف، والوسط هو القمة كقمة الجبل.
- •المسلمون شهداء على الناس بمعنى شاهدين عليهم ومشهوداً لهم كنموذج أعلى.
- •يتحقق هذا التكليف باتخاذ الرسول شهيداً واتباع منهجه وسنته.
- •تركت الأمة هذا المكان العالي وانشغلت بالدنيا، فخرجت من المشاركة في بناء الحضارة وتعمير الأرض.
افتتاح الدرس والتعريف بسورة البقرة وإعجاز تحويل القبلة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 142]
وقد قيل بعد ذلك فهي معجزة للنبي ﷺ ومعجزة لكتاب ربنا وتأييده لدينه.
سؤال السفهاء عن تحويل القبلة وجواب الحكيم سبحانه وتعالى
﴿مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]
هذا سؤال سفيه، وهو سؤال سفيه.
﴿قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: 142]
هذا سؤال حكيم، يعني أسلوب الحكيم وهو جواب الحكيم؛ يعني هذا سؤال سفيه وهو سؤال السفيه، وهذا أسلوب الحكيم جواب من حكيم.
﴿قُل لِّلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: 142]
إذن الله يفعل ما يشاء، والله يعظم من بقاعه وأماكنه ما يشاء، والله يأمر فنطيع، والأمر كله بيده، والرغباء إليه والخير إليه والشر ليس إليه.
هداية الله لعباده إلى بيته الحرام ويوم الجمعة وليلة القدر
﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]
انظر فقد أظهر [الله] القدرة؛ يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
هدانا ربنا إلى بيته [الحرام] الذي هو محل نظر، وهدانا ربنا إلى يوم الجمعة فجعله لنا عيدًا نجتمع في المساجد ونصلي بدلًا من الظهر أربع ركعات لا ركعتين.
وهدانا ربنا إلى ليلة القدر وأرشدنا أنها في العشر الأواخر من رمضان، وهدانا ربنا إلى العشر الأوائل من ذي الحجة وهي خير أيام السنة، وهدانا ربنا إلى يوم عرفة حيث يتجلى الله على الحجاج، وهدانا ربنا إلى الاسم الذي إذا دُعي به أجاب الله، وهدانا ربنا إلى أشياء كثيرة وإلى كنوز قد حُرم منها الخلق.
الإسلام دين منفتح لا أسرار فيه إلا العلم والعمل
ولذلك ترى المسلم العادي جميع المسلمين، يعني أمام عينيك أيها التاجر، ليس لدينا أسرار في الخزائن ولا أسرار مع رجال الدين لا يعرفها غيرهم أبدًا؛ هذا دين منفتح لجميع الخلق أجمعين.
وبعد ذلك هذا الدين المنفتح للجميع ليس فيه إلا العلم؛ هذه الأسرار التي يشترك فيها المسلمون لا يعرفها كثير من الناس وهم محرومون منها.
حرمان الغافلين من نزول الله في ثلث الليل الأخير وفضل الدعاء فيه
محرومون من ثلث الليل الأخير يدعون فيه ربهم والله ينزل في ثلث الليل الأخير:
قال رسول الله ﷺ: «هل من سائل فأُعطيَه، هل من مستغفر فأغفرَ له» رواه البخاري
كذلك فأُعطيَه، كذلك في البخاري بالضم؛ لأنها تنفع، فأُعطيَه فأغفرَ له تنفع.
إذن معنا أسرار خصّنا الله بها وأكرمنا.
﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]
انظر إلى الناس الآن كم حرمت نفسها؛ حرمت نفسها من يوم الجمعة ومن ساعة الإجابة فيها، وحرمت نفسها من ثلث الليل الأخير، وحرمت نفسها من الذكر باسمه الأعظم سبحانه وتعالى، وحرمت نفسها من ليلة القدر، وحرمت نفسها من العشر الأوائل [من ذي الحجة]، ويتشبه كثيرًا من الغافلين بهم في الحرمان.
معنى الأمة الوسط بين التشريف والتكليف في القرآن الكريم
لكن ربنا يقول:
﴿يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
هذه آية فيها تشريف وفيها تكليف.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]
هذا تشريف لكنه تكليف؛ ابحث في الآية كيف تفعل، كيف تعيش.
ماذا يريد الله منك أن تكون فردًا من أمة وسط، فما هي هذه الأمة الوسط؟ الجبل عندما تأتي لتصعده تظل صاعدًا هكذا، فإلى أين؟ إلى القمة، وبعد ذلك تأتي نازلًا من الناحية الأخرى. كم مشيت وأنت صاعد وأنت نازل؟ أين المسافة الوسط فيها؟ القمة.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]
يعني في القمة.
معنى شهداء على الناس بين الشاهد والمشهود والمثل الأعلى
﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 143]
شهداء جمع ماذا؟ شهداء هذه شهيد، مثل علماء عليم، فقهاء فقيه، سفهاء سفيه، قلناها من قبل.
لتكونوا شهداء، شهيد، يعني ماذا؟ فعيل تُطلق ويُراد منها اسم الفاعل وتُطلق ويُراد منها اسم المفعول، فتكون شاهد ومشهود.
حسنًا أنت تشهد من؟ تشهد الخلق أجمعين، وأنت هم يرونك أيضًا، ولكن يرونك أين؟ يرونك في أعلى مكان.
﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 143]
شاهدين عليهم ومشهودين لهم، وهو [الإنسان] ينظر إليك هكذا فأنت المثل الأعلى له.
التكليف بالاقتداء بالرسول ﷺ ليكون المسلم في القمة شهيدًا
متى تكون كذلك [مثلًا أعلى]؟ هذا هو التكليف إذن؛ الله فتح لك هذا الباب وأذن لك وأمرك، أذن لك يعني أن الله سوف يساعدك على أن تكون كذلك.
أين عملك أنت إذن، متى تكون مثلًا أعلى، ومتى يتم سعيك إلى الوسط الذي هو القمة؟ عندما تعمل ماذا؟ هنا:
﴿وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]
عندما تجعلون الرسول ﷺ أمام أعينكم، عندما تتخذونه مشاهدًا لكم فتحاكونه في منهج حياته وفي كيفية تعامله وفي سنته التي قد علّمنا إياها، وفي كيفية التعامل مع الخلق أجمعين ومع الأكوان ومع عباد الرحمن.
اتباع النبي ﷺ طريق الوصول إلى القمة والشهادة على الناس
فإن أنت أصبحت نسخة من النبي صلى الله عليه وسلم بالاتباع كنت في القمة وكنت شهيدًا على الناس، أي شاهدًا لهم وعليهم، وأي مشهودًا لهم فيتبعوا هذا النموذج العالي.
هل أنت كذلك؟ هل درست سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأيت كيف أنه أخرج الدنيا من قلبه وجعلها في يده؟ وكيف أنه صلى الله عليه وسلم لم يفرق بين دين ودنيا، بل كان عبدًا لله في النهار وفي الليل، في اليقظة وفي المنام.
كن كذلك تكن شهيدًا، وإذا كنا كذلك نكون شهداء، وإذا كنا شهداء فإننا نكون في وسط أي في أعلى عليين في الدنيا والآخرة.
حال الأمة حين تترك القمة وتنزل إلى سفح الجبل باحثة عن الدنيا
لكنني لست كذلك والأمة ليست كذلك، وتركت هذا المكان العالي ونزلت مسكينة تبحث عن الدنيا في سفح الجبل؛ فلا رأت الناس ولا رآها الناس.
وخرجت من المشاركة في بناء حضارة الإنسان وفي تعمير الأرض وفي عبادة الله وفي تزكية النفس.
فكل من علا تبّة علاها، طيب وهذا يرضي ربنا؟ هذا هو وضعك فوق الجبل؛ كل من علا تلة يبحث عن شيء كذلك علاها، أصبحت هي [الأمة] في السفح وأصبح الذي على التلة هو الذي يتجبر عليها.
الله! طيب أليست هذه تكون جريمة كبيرة في حق الله ورسوله؟ سؤال [يستحق التأمل والمراجعة].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
