سورة البقرة | حـ 157 | آية 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 157 | آية 143 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يتناول تفسير قوله تعالى "قد نرى تقلب وجهك في السماء" من سورة البقرة، حيث أن "قد" إذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق، وعلى المضارع تفيد التقليل غالباً.
  • يحتمل تفسير الآية وجهين: الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو قليلاً متطلعاً إلى تحويل القبلة نحو الكعبة مع كمال رضاه بأمر الله.
  • الوجه الثاني أن النبي كان يدعو كثيراً ويلح في الدعاء، فهو سيد العابدين وكان يتضرع لله في كل أموره.
  • أكرم الله نبيه بالاستجابة لدعائه وتحويل القبلة إلى الكعبة، وهذا من علو شأنه وقربه من ربه.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم معلق القلب بربه في اليقظة والمنام، وكلما رفعه الله في المقام زاد تواضعاً.
  • الوجهان في تفسير الآية صحيحان لغوياً ومعنوياً، وهما متكاملان لا يتعارضان.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية تحويل القبلة من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، في قوله تعالى:

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]

قواعد دخول قد على الفعل الماضي والمضارع في اللغة العربية

«قد» إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التحقيق، قالوا: غالبًا؛ لأنها قد لا تفيد التحقيق. وإذا دخلت على الفعل المضارع تفيد التقليل، قالوا: غالبًا؛ لأنها قد تفيد التحقيق.

إذن [القواعد اللغوية] تسير وفق القواعد، خاصة المتعلقة باللغة. واللغة ككائن حيٍّ ينمو ويتغير طبقًا لمقتضيات الناس وحاجتهم للتعبير عن أنفسهم وأفكارهم وحاجاتهم؛ فإنها تكون على قواعد أغلبية، دائمًا نقول ماذا؟ غالبًا، غالبًا.

حمل قد على بابها ودعاء النبي ﷺ القليل بتحويل القبلة مع رضاه بأمر الله

فـ ﴿قَدْ نَرَى﴾، إذا كانت على بابها، أي من الغالب [وهو التقليل]، أن صاحبها [وهو] رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه قليلًا؛ هكذا يكون من حين لآخر.

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ [البقرة: 144]

أي أحيانًا هكذا نراك تدعو، ببساطة هكذا هو.

طيب، وهذا لو كان [على التقليل]، يكون كان ماذا هذا؟ لو كان الشعور الداخلي لرسول الله ﷺ هو الرضا بأمر الله، وهو يستحي من ربه ويقول له [يا رب اجعل القبلة] أي الكعبة، أي أنا أرغب في الكعبة.

حياء النبي ﷺ من ربه ورغبته في التوجه إلى الكعبة مع تعلق قلبه بالرضا

وهو ﷺ يقول: أنا أرغب في الكعبة، مستحيل! من ربنا [يستحي ويشعر بـ] خجل فيسكت، يقول: لكن أمر الله هكذا. وبعد ذلك حبه [للكعبة] الذي فطره الله عليه يجعله أيضًا بعد شهرين ثلاثة هكذا [يدعو]: الكعبة هذه يا رب، نفسي في الكعبة، نتوجه إلى الكعبة.

وبعد ذلك يخجل [من ربه]؛ فما دام أن الله لم يُنزل [أمرًا بتحويل القبلة] فيقول: إذن [أسكت وأرضى]. فيبقى القلب معلقًا بالرضا بالله، وهو مناسب لرسول الله ﷺ أن يكون قلبه معلقًا بربه.

تعلق قلب النبي ﷺ بربه في اليقظة والمنام وشهادة الملكين بذلك

فإنه ﷺ كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه صلى الله عليه وآله وسلم، كما أخبر الملكان فقال [أحدهما]: هذا رجل نامت عيناه ولم ينم قلبه.

فكان [قلبه ﷺ] معلقًا بربه وهو في حالة اليقظة وفي حالة المنام، سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم.

فـ الرضا التام يفسر أن تكون «قد» هنا على بابها [أي للتقليل]؛ فهو راضٍ بأمر الله، وهو مسلِّم لله. ولذلك يدعو بين الحين والآخر، فلم يدعُ كثيرًا.

قلة دعاء النبي ﷺ بتحويل القبلة واستجابة الله السريعة لدعائه

في الثمانية أشهر [التي صلى فيها نحو بيت المقدس بالمدينة] دعاؤه مرة أو مرتين أو ثلاث مرات. ﴿قَدْ نَرَى﴾ يعني أنت مرة دعوت [فاستُجيب لك].

وهنا فإن الله سبحانه وتعالى قد سارع في هواه صلى الله عليه وسلم؛ عُلُوًّا لشأنه وقُربًا من ربه واستجابةً لدعائه. فاللهم اجزِه عنا خير ما جازيت نبيًّا عن أمته، صلى الله عليه وآله وسلم.

من الذي وفق النبي ﷺ للدعاء بتحويل القبلة ومن استجاب له

نعم، «قد» على فكرة، نحن سمعناك مرة تقول: إن [النبي ﷺ قال] يا رب ما تجعلها الكعبة، خلاص نجعلها الكعبة.

من الذي وفَّق النبي ﷺ للدعاء؟ ربنا علّام الغيوب. ومن الذي جعله يدعو؟ ربنا سبحانه وتعالى. والذي سوف يستجيب للدعاء؟ فهو الذي خلق، وهو الذي أمر، وهو الذي استجاب، وهو الذي وفَّق.

حمل قد نرى على الكثرة ومعنى إلحاح النبي ﷺ في الدعاء والتضرع

﴿قَدْ نَرَىٰ﴾ [البقرة: 144]

ما لا [يُحصى]، أي من كثرة الدعاء تنفع. من ناحية اللغة تنفع [أن تُحمل على الكثرة].

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ [البقرة: 144]

أي إنك تتضرع من الدعاء وتُلِحُّ في الدعاء. نعم، فإن الدعاء هو العبادة، وهذا [النبي ﷺ] سيد العابدين؛ فكان يدعو الله سبحانه وتعالى كثيرًا كما كان يذكره كثيرًا.

مناشدة النبي ﷺ ربه يوم بدر وقول أبي بكر له وعبادته في الدعاء

في يوم بدر ناشد [النبي ﷺ] ربه حتى قال له أبو بكر [الصديق رضي الله عنه] غدًا: كفاك يا رسول الله، والله ليستجيبنَّ ربك إليك، من كثرة مناشدته.

ولكن هذه المناشدة كانت عبادة؛ إظهارًا للخضوع والخشوع والخنوع لرب العالمين من سيد الكائنات ﷺ. كان كلما رفعه ربه في المقام الأعلى كلما ازداد تواضعًا له.

قيام النبي ﷺ الليل حتى تتورم قدماه وقوله أفلا أكون عبدًا شكورًا

ويقول [النبي ﷺ] لعائشة [رضي الله عنها] وقد قالت له: ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال:

قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا»

فكان ﷺ يقوم الليل حتى تتورم قدماه، صلى الله عليه وآله وسلم. وهو صاحب حُكم في النهار؛ كان حاكمًا وكان قاضيًا وكان مصلحًا وكان نبيًّا وكان إمامًا، مهام كثيرة، وكان عابدًا وذاكرًا وساجدًا وشاكرًا، لم يفتر.

عظمة النبي ﷺ دليل على أنه المسيّا خاتم المرسلين وسيد العالمين

وهذه آية عظمى في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم، تثبت أنه المسيّا [المنتظر]، وأنه هو الذي بشرت به الأديان، وأنه هو خاتم المرسلين، وأنه هو سيد العالمين، وأنه هو المصطفى المختار صلى الله عليه وآله وسلم.

كيف يقوم بكل ذلك؟ كان قلبه معلقًا بربه [سبحانه وتعالى].

جواز حمل قد نرى على القلة والكثرة معًا كوجهين صحيحين للتفسير

فلو حملناها [أي «قد»] على غير الغالب من بابها: ﴿قَدْ نَرَى﴾ أي قد نرى يعني قليلًا، لا، ﴿قَدْ نَرَى﴾ يعني كثيرًا أيضًا، حسنًا تصلح.

يكون إذا يصلح نحملها على القلة مع الرضا، ويصلح نحملها مع الكثرة مع الإلحاح والعبادة؛ معانٍ صحيحة.

طيب، يكون هذا من معانٍ صحيحة، وما دامت تتحملها اللغة يكون هذان وجهان للتفسير لا ينقض بعضها بعضًا.

خاتمة الدرس والدعاء ببركة النبي ﷺ والتوديع

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ [البقرة: 144]

فاللهم استجب لنا دعاءنا ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة [الله وبركاته].