سورة البقرة | حـ 161 | آية 144 : 145 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 161 | آية 144 : 145 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يبين الله في سورة البقرة اتجاه القبلة، حيث يجب التوجه لعين الكعبة للقريب منها، وإلى شطرها للبعيد.
  • أهل الكتاب يعلمون أن هذا التوجيه حق من ربهم، فهم يدركون أن البيت الحرام هو الذي أسسه إبراهيم وإسماعيل.
  • قد منح الله حرية العقيدة للبشر، وأرجأ الحساب ليوم القيامة، فلكل دينه وعقيدته.
  • ليس على المسلم أن يحزن على من لم يؤمن، فلن يتبع أهل الكتاب قبلة المسلمين مهما جاءهم من آيات.
  • على المسلم أن يهتم بنفسه، ويتمسك بدينه، ويقيم شرع الله في نفسه وأسرته، ويبلغ عن الله.
  • الناس سيظلون مختلفين في عقائدهم، ولن يتبع بعضهم قبلة بعض إلا من رحم الله.
  • يجب الاستقامة على الصراط المستقيم وعدم اتباع الأهواء، وإقامة العدل والإنصاف، وقول الحق مع النفس والآخرين.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان توجه القبلة في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أن حدد لنا اتجاه القبلة وكيفية التوجه إليها، وأن من كان قريبًا منها فإن توجهه يكون إلى عينها، ومن كان بعيدًا عنها فإنه يكون توجهه إلى شطرها.

فإنه يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 144]

علم أهل الكتاب بحقيقة القبلة وإخفاؤهم لبعض ما عندهم

لأنه [سبحانه وتعالى] بدأ هذا [السياق] بقوله:

﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ ٱلَّتِى كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: 142]

وجاء فقال: إن أولئك الذين [أوتوا] العلم من قبلكم، والذين قد أُوحي إلى أنبيائهم فبلغوهم من قبلكم، عندهم أثارة من علم من عند الله محفوظة في كتبهم.

وهم يعلمون هذا، ويعلمون أن هذا البيت [الكعبة المشرفة] هو الذي أنشأه إبراهيم عليه السلام، وأنه هو الذي رفع قواعده مع إسماعيل عليه السلام، وأنه هو الذي وضعته الملائكة بداية للخليقة.

وأنه من المعلومات التي يحفظونها يُخفون جزءًا منها ويُظهرون جزءًا منها، يؤمنون بجزء منها ولا يؤمنون بجزء آخر.

قطع الجدال والاشتغال بتزكية النفس بدلاً من الخصومات

ولكن على كل حال، قل لهم: هذا منع للجدال ورفع للخصام والنزاع. واحمد ربك أيها المسلم أن وجّه الله وجهك إلى بيت الله العتيق.

﴿وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 144]

يعني دع الأمور لله، واشتغل [بأمور] الدنيا وبتزكية النفس بدلًا من الاشتغال بالجدل العقيم.

قال تعالى [ذلك] حتى يقطع فراغ الجدال، وحتى يلتفت كل إنسان إلى عمارة الأرض:

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: 145]

حرية العقيدة في الإسلام وإرجاء الحساب إلى يوم الدين

إذن عليك أن ترضى بأمر الله، وعليك أن تعلم أن الله قد ترك حرية العقيدة لبني البشر، ورحّل العقاب والثواب ليوم الحساب، ولم يجعله في الدنيا.

بحيث أن من انحرف عن منهج الله أخذه أخذ عزيز مقتدر وخسف به الأرض وكذا، أبدًا! بل أرجأ المحاكمة إلى يوم الدين، يوم المحاكمة، يوم الحساب.

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]

يعني في الآخرة [يكون الحساب والعقاب].

الآيات القرآنية المقررة لحرية العقيدة وعدم الإكراه في الدين

وهنا [في الدنيا]:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [الشورى: 48]

بلّغ فحسب.

﴿مَا عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الشورى: 48]

﴿وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ﴾ [الحجر: 89]

هذه هي الآيات التي قررت حرية العقيدة.

نهي النبي عن الحزن على من لم يؤمن والتسليم لأمر الله

فماذا نفعل نحن؟ نحزن على البشرية ونريد أن نمنعهم عن النار.

قالوا [أي قال الله تعالى]:

﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾ [فاطر: 8]

وقالوا:

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ [النحل: 127]

وقالوا:

﴿وَلَا تَكُ فِى ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: 127]

﴿فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَـٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]

اتركهم وشأنهم! قال له [الله تعالى]: لا، ليس إلى هذه الدرجة، اهدأ.

توجيه الخطاب للمسلمين بالرضا والالتفات إلى العمل الصالح

هذا الكلام لنا؛ لأن سيدنا رسول الله ﷺ يعيش فينا [بسنته وهديه]. هذا الكلام لنا: اهدأ، ارضَ، انظر إلى عملك.

فيقول له [الله تعالى]: أول شيء حرية العقيدة كفلناها للبشر. ثاني شيء أرجأنا الحساب والعقاب والثواب ليوم الآخرة، نرجع فيه إلى ربنا فينبئنا بما كنا نختلف فيه.

طبعًا، وبعد ذلك قال لك:

﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة: 145]

فاذهب، اهتم بشأنك، انظر إلى عملك.

الالتفات إلى النفس والتمسك بالدين وتبليغ رسالة الله

فهذا مهم جدًا: هذا [الأمر بأن] انظر إلى عملك، يعني التفت إلى نفسك، تمسّك بدينك، أقم شرع الله فيك وفي أسرتك.

بلّغ عن الله ولو آية واحدة، ولكن والله:

﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: 145]

﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119]

أهذا! وما بعضهم بتابع قبلة بعض.

استحالة توحيد الناس على دين واحد والتسليم لإرادة الله

هذا الكلام يعني أن هناك أملًا في توحيد الناس جميعًا حتى يكونوا مسلمين ومؤمنين وما إلى ذلك؟ قال له [الله تعالى]: ما أنت، لن تنفع! هذه إرادتي أنا، هكذا انتهى الأمر. جلّ الله!

انتهى، حاضر، سمعنا وأطعنا. طيب، حاضر، فهمنا.

وما بعضهم يتابع قبلة بعض، ستجدهم على قلب شخص واحد؟ فِرَقٌ! كل واحد ربنا سبحانه وتعالى شغل قلبه بما يريد.

فماذا أعمل؟ أتبع الطريق المستقيم الذي ندعوه في الصلاة سبع عشرة مرة كل يوم:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

حقيقة الصراط المستقيم واتباع مراد الله لا هوى النفس

الذي هو ما الصراط المستقيم؟ هذا الذي هو ما أراده الله من غير هوى نفسي.

﴿وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ﴾ [البقرة: 145]

حاشا لرسول الله ﷺ أن يكون كذلك، وإنما هو يقول لنا نحن: أنه بعد ذلك إذا استمررت مع هذا الإيضاح ستضل الطريق، فستكون أيها الإنسان أنت ظالم.

فهذا الكلام موجه إلينا نحن؛ فيجب علينا أن نحوّله إلى برنامج عمل يومي نستقيم فيه مع الله، ولا نتبع أهواءنا.

اتباع الهوى يُعالج بإقامة العدل والإنصاف مع النفس والآخرين

لأن اتباع الهوى يكون بماذا [يُعالج]؟ قالوا: بإقامة العدل.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]

إذن يجب علينا أن نكون منصفين مع أنفسنا ومع الآخرين ومع هذه الأكوان، والإنصاف يقتضي قول الحق.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.