سورة البقرة | حـ 162 | آية 146 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح قوله تعالى "الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم" أن أهل الكتاب يعرفون النبي محمداً معرفة يقينية كمعرفتهم لأبنائهم.
- •كانت هذه الآية سبباً في إسلام كثيرين صدقوا مع أنفسهم من عصر النبوة وإلى اليوم.
- •عبدالله بن سلام قال للنبي: "والله إني لأعرفك أكثر مما أعرف أبنائي" مؤكداً أنه يعرف أبناءه بنسبة 99.9% بينما معرفته بالنبي 100%.
- •يوضح القرآن أن فريقاً من أهل الكتاب يكتمون الحق وهم يعلمون، وينبغي الإنصاف وعدم وضعهم جميعاً في سلة واحدة.
- •كان النبي يقدر مكارم الأخلاق حتى في غير المسلمين كعبدالله بن جدعان، فكان يحبه لكرمه وطيبه مع الناس.
- •أمر الجنة والنار بيد الله تعالى، ونحن ينبغي أن نقدر الخير في الناس دون الحكم على مصيرهم الأخروي.
مقدمة تلاوة آية معرفة أهل الكتاب للنبي كمعرفتهم لأبنائهم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، نعيش هذه اللحظات مع قوله تعالى:
﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]
تشبيه معرفة أهل الكتاب بالنبي بمعرفة الإنسان لأبنائه معرفة يقينية
الإنسان وهو يعرف أبناءه يعرفهم تمامًا؛ لأنه هو الذي عاشرهم وربّاهم ومكث معهم مدة طويلة. "كما يعرفون أبناءهم" هذا مُشبَّه به لشدة المعرفة.
في المعرفة هكذا نصٌّ ومعرفة ظنية؛ معرفة تقول: "والله أنا رأيتك من قبل" هكذا. مع ابنك عمره ما تقول له: "أنا رأيتك من قبل"، تعرفه من ظهره، تعرفه من صوته، تعرفه من لمحاته، تعرفه بكل شيء، تعرفه من لباسه، الملابس الخاصة به.
تقول: "والله هذا فلان جاء إلى هنا، ها هو سبقني، أعرف أن هذا خاص بمن من هؤلاء الأولاد." هم يعرفون النبي هكذا عليه الصلاة والسلام.
هذه الآية كانت سببًا في إسلام كثيرين عبر العصور
وكم كانت هذه الآية سببًا في إسلام كثيرين صدقوا مع أنفسهم، وقال [أحدهم]: "والله ما هذه الآية الغريبة هذه؟ آية تتحدث عمّا في نفوسنا من الداخل!" أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله.
بلا كثرة كلام، بلا كثرة كلام، فأسلم كثير من البشر بهذه الآية، ابتداءً من عصر النبوة وإلى يومنا هذا.
﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ﴾ [البقرة: 146]
عبد الله بن سلام يشهد بمعرفته للنبي أكثر من معرفته لأبنائه
عبد الله بن سلام لما أسلم وحسُن إسلامه واستمع إلى هذه الآية قال: يا رسول الله، والله إني لأعرفك أكثر مما أعرف أبنائي، فوالله لا ندري ماذا فعلت النساء في البيوت.
يعني كم في المائة أن هذا الولد ابني؟ تسعة وتسعون وتسعة من عشرة في المائة. قال له [النبي ﷺ]: أنت مائة في المائة؟ [فأجاب عبد الله بن سلام]: أنت يا رسول الله مائة في المائة.
أنا أعلم أنك محمد بن عبد الله، المسيح الأعظم الذي بشّرت به الكتب، وأنت تعلم كذلك. والله أعرفك أكثر مما أعرف أبنائي. فهو يعرف أبناءه بنسبة كم؟ تسعة وتسعون وتسعة أعشار، أما النبي فأكثر: مائة في المائة.
القرآن يعلّم الإنصاف في الحكم على أهل الكتاب وعدم التعميم
﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 146]، انظر يعلّمك الإنصاف، لا يقول "وإنهم"، إنه يعلّمك الإنصاف.
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [البقرة: 109]
وليس كلهم. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ يعلّمك كيف تقرأ الواقع حقًّا، فعندما تنزل إلى الواقع لا تجدهم كلهم كذلك، ليسوا سواء كما قال ربنا.
﴿لَيَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146]
وبعضهم لا يعرف الحق ويعرف أن الذي هو عليه هو الحق المطمئن إليه، وبعضهم ما فكّر في الحكاية أصلًا، ما جاءت ما خطرت في باله. وبعضهم ناس طيبون صالحون ساجدون قائمون كذلك إلى آخره، وبعضهم أشرار وماكرون وهكذا.
فربنا يعلّمك الإنصاف: إياك أن تضعهم كلهم في سلة واحدة. انظر إلى الأفعال، انظر إلى الصدق، انظر إلى الشيء الطيب.
النبي يكرم ابنة حاتم الطائي تقديرًا لمكارم أخلاق أبيها رغم كفره
ولذلك سيدنا رسول الله كان يحب جدًّا حاتم الطائي، ولما دخلت ابنته عليه خلع عباءته وفرشها لها وقال:
«إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق»
طمعت البنت فقالت: يا رسول الله، أهو في الجنة؟ قال: لا، هو في النار.
يا الله! سيدنا رسول الله يحب واحدًا كافرًا، فلماذا؟ لأنه كان كريمًا؛ ذبح فرسه للضيوف، كان يوقد النار بالليل لكي ممكن أن يكون أحد تائهًا من اليمين أو من الشمال يأتي إليه. عندما يدخل عليه الضيف يفرح كما لو كان في يوم عيد، لا يوجد ثقل عليه.
فالنبي أحب هكذا [مكارم الأخلاق]، هو هذا [أمر الدنيا]، نار جنة هذه لربنا يوم القيامة، ما لنا أن ندخل فيها؛ لأن أنا لست ربًّا، النار والجنة هذه بيده هو، دخوله الجنة أو دخوله النار هو الذي قدّمه. هذا نار، لا ينبغي أن أتدخل.
تكريم النبي لابنة حاتم الطائي وخلع عباءته تشريفًا لمكارم الأخلاق
ولكن إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق، يا سلام! والوسام ماذا نعطيه لها [ابنة حاتم الطائي]؟ لأجل ذلك نخلع لها العباءة.
هذا أمر تشريف عظيم جدًّا أن سيد الخلق يخلع عباءته لامرأة يُجلسها أو لإنسان يُجلسه.
قصة عبد الله بن جدعان وحب النبي له لكرمه مع الحجاج
ولكن لما كان هذا التعظيم يعلّم الأمة، كان كذلك. كان واحد ابنه اسمه عبد الله بن جدعان، سيدنا رسول الله وهو صغير طفل رأى طبقًا من الطعام يصعدون إليه بالسلالم، طبق طعام كبير جدًّا هكذا يصعدون إليه بالسلالم.
عبد الله بن جدعان يصنعه للحجاج كي يأكلوا ويشربوا ويُضيفوا، فكان يحبه كثيرًا سيدنا رسول الله. وكان كلما ما قال "عبد الله بن جدعان" يعني هكذا وجهه يدخل عليه السرور هكذا.
فالسيدة عائشة لاحظت هذه العبارة وقالت له: يا رسول الله، أهو في الجنة؟ أنت تحبه هكذا كثيرًا ومسرور منه. قال: لا؛ لأنه لم يقل في يوم: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين، لم يقلها ولا مرة واحدة من الكِبر الذي كان في قلبه.
سبب حب النبي لعبد الله بن جدعان رغم كفره والجنة والنار ملك لله وحده
طيب، فلماذا تحبه؟ لأنه كان يكرم الحجاج، لأنه كان رجل خير، لأنه كان رجلًا طيبًا مع الكِبر.
طيب، وكان متكبرًا قليلًا هكذا مع ربه، متكبرًا مع ربه، لكنه طيب مع الناس. فالنبي مسرور أنه كان طيبًا مع الناس.
أما الجنة والنار يا إخواننا، فالجنة والنار ملك لربنا. نحن في الدنيا الآن، وهذا الرجل طيب، جنة نار يوم القيامة سنعرف إن شاء الله.
ولكن إن أباك كان يحب مكارم الأخلاق.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
