سورة البقرة | حـ 166 | آية 150 : 151 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يوضح القرآن في سورة البقرة تعامل المسلمين مع الظالمين، حيث قال تعالى: "ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم".
- •الظالمون موجودون في كل عصر ومكان، ويتميزون بغياب الحجة واتباع الهوى والمصلحة والبغي.
- •أمرنا الله بعدم الخوف من الظالمين بل خشية الله وحده، قال تعالى: "فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم".
- •وعد الله المؤمنين بإتمام نعمته إما بالنصر والتمكين أو بالشهادة، كما في قصة الغلام المؤمن الذي قتله الملك.
- •التمكين في الأرض له شروط: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •أرسل الله رسوله ليتلو آياته ويزكي الناس ويعلمهم الكتاب والحكمة، فكان صلى الله عليه وسلم قدوة في الأخلاق لم يضرب أحداً ولم يسب أحداً، فهو الإنسان الكامل في فعله وخلقه.
افتتاح الدرس وتلاوة آية تحويل القبلة من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى لنبيه:
﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150]
سنة الله في وجود الظالمين عبر العصور وعدم انقطاعهم
فلن تَعدَم أبدًا عبر العصور ودوران الدهور وفي كل مكان، لن تَعدَم هذه الفئة التي ظلمت نفسها وظلمت غيرها. وأنت تجادلهم، وأنت تناقشهم، وأنت تبلغهم، وأنت تتعامل معهم؛ ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: 150].
هذه سنة الله في كونه:
﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43]
ما أصابعك ليست مثل بعضها البعض، والناس أيضًا ليسوا مثل بعضهم البعض.
كيفية التعامل مع الظالمين وصفاتهم من اتباع الهوى والبغي
فكيف نتعامل مع هذا الصنف من الناس؟
أولًا: لا تخشوهم؛ فإذا قال لي [الله سبحانه وتعالى] لا تخشوهم، فهم إذن من أهل الجبروت والطغيان والعدوان الذي يجعلني خائفًا. نعم، إنه ظالم، هو ظالم.
فالصفة الأولى لأهل الظلم أنهم لا حجة لهم طبعًا. والذي ليس لديه حجة فماذا يكون لديه؟ هوى ومصلحة ومنفعة؛ هم يريدون مصالحهم ومنافعهم طبقًا لأهوائهم.
ثانيًا: بغيٌ وطغيان، ولذلك أمرنا [الله] ألا نخشاهم.
الأمر بخشية الله وحده دون الظالمين والوعد بإتمام النعمة
﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِى وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 150]
فلا تخشوهم واخشوني. المقابل هكذا: لا تخافوهم؛ فالأجدر بمن تخافه هو من بيده الأمر، وهؤلاء ليس في أيديهم شيء، هؤلاء مساكين، هذه أشياء كذلك صور سائرة.
وإنما الذي بيده الأمر ولا يكون في كونه إلا ما أراد، هو الله؛ فتوكل على الحي الذي لا يموت.
وهناك وعد، هناك أمر؛ هو نهيٌ وأمرٌ ووعد: فلا تخشوهم، هذا نهي، واخشوني، هذا أمر، ولأتم نعمتي عليكم، هذا وعد.
إتمام النعمة يكون بالنصر والتمكين أو بالشهادة في سبيل الله
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 150]
هذا وعد آخر؛ يكون نهيًا وأمرًا ووعدًا. وآخر: إتمام النعمة يكون بأحد أمرين: يكون بالنصر والتمكين، أو يكون بالشهادة.
حكى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قصة غلام صغير أرسله الملك لكي يتعلم السحر عند الساحر، فكان يمر على راهب فعلّمه التوحيد وعبادة الله الواحد، ويذهب إلى الساحر بعد ذلك. وفوجئ [الملك] بعد ذلك أن الغلام قد آمن وآمن معه كثيرون، وأراد الملك أن يقتله ففشل.
قصة الغلام المؤمن الذي ضحى بروحه من أجل التوحيد فآمن الناس
حتى أنه [الغلام] قال له [للملك]: أدلك على كلمة إذا قلتها قتلتني. قال له: بالله عليك [قلها]. لئلا يبدأ الناس بالإيمان، قال: قل لا إله إلا الله، آمنت برب الغلام، واقتلني.
فقال [الملك]: شيءٌ سهل! وقال الكلمة وضرب السهم فقتله، ففاضت روحه الشريفة من أجل توحيد الله؛ أي أنه قدّم روحه من أجل القضية [قضية التوحيد].
فقال الجالسون جميعًا من أهل البلد: آمنّا برب الغلام. فهذا هو الأمر، فهذا ما يسمونه إما النصر وإما الشهادة.
استهانة الحياة من أجل القضايا نعمة من الله سواء بنصر أو شهادة
فاستهانة الحياة من أجل القضايا والدفاع عنها أمرٌ هو من نعمة الله، سواء تمّ النصر أو لم يتم؛ لأن هذا الكون يدبره خالقه كما يشاء سبحانه وتعالى.
﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 150]
بإتمام النعمة إما بالنصر والتمكين، والتمكين له مقتضيات:
﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [الحج: 41]
لم يفسدوا فيها، لم يبغوا فيها، لم يستعمروها ويحتلوها ويأخذوا منها، ولم يسفكوا، لم يقتلوا الأبرياء، ولم يسرقوا البترول، ولم يفعلوا شيئًا أبدًا.
أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر؛ أربعة أشياء هي هذه.
﴿وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]
وظائف الرسول الخمس من تلاوة الآيات والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 150]
بهذه الهداية. ثم يبدأ كلامًا جديدًا فيقول:
﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
يبقى هنا [المعنى أن الله] مَنّ علينا بأن لم يتركنا مهملين، بل أرسل لنا رسولًا. وهذا الرسول ماذا يفعل؟ فعل خمسة أشياء: يتلو عليكم آياتنا؛ إذن فهو وصلة بين الرب وبين العبيد.
الرسول واسطة بين الرب والعبد ودوره في التزكية والقدوة الحسنة
وهذه الواسطة [واسطة الرسول بين الله والناس]، وإن لم يكن هناك واسطة بين العبد وربه [في الدعاء]، فهناك وساطة بين الرب وعبده وهم الرسل الكرام.
يتلون عليكم آياتنا، أول شيء هي بما فيها من هدى للمتقين. ويزكيكم؛ يعني يعلمكم الأخلاق الكريمة بمنهجه وسلوكه وقدوته في الحياة الدنيا.
ننظر إلى سيدنا محمد ﷺ هكذا هو، ونقلده ونفعل مثل ما كان يفعل. نرى أخلاقه كيف شكلها: فلم يضرب أحدًا بيده قط، ولم يسبّ أحدًا قط بلسانه، وكان صلى الله عليه وسلم هو الإنسان الكامل في فعله وخُلقه.
وهذا أمر يطول، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم.
