سورة البقرة | حـ 168 | آية 151 : 152 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يعلمنا الله في سورة البقرة أنه من علينا بإرسال رسوله الكريم ليعلمنا الكتاب والحكمة وما لم نكن نعلم، ثم خلص إلى أمر جامع: "فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون".
- •أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بدوام ذكر الله، حيث قال: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله"، وقال لمن سأله عن أمر جامع: "قل آمنت بالله ثم استقم".
- •جلس أحد العلماء سنتين يفسر "فاذكروني" وحدها، جامعاً ما ورد في السنة من كيفية الذكر وآدابه وأنواعه ومواطنه.
- •ألف الإمام النووي كتاب "الأذكار" يفسر هذه الآية، موضحاً كيفية ذكر الله من سنة النبي وسيرته.
- •علمنا النبي أن نبدأ كل أمر بذكر الله، وكان يذكر الله في كل أحواله: عند دخول المسجد والخروج منه، وعند بداية يومه، وحتى عند دخول دورة المياه والخروج منها.
- •كان صلى الله عليه وسلم يستغفر مائة مرة في اليوم، رغم أن الله غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
منة الله على الأمة بإرسال الرسول لتعليم الكتاب والحكمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى أنه قد مَنَّ علينا بإرسال رسوله الكريم؛ حتى يعلمنا كتابه، ويعلمنا سنته، ويعلمنا كيف نفهم الكتاب وكيف نفهم السنة، ويعلمنا أيضًا كيف نفهم الواقع المحيط.
فيقول [الله تعالى]:
﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُوا عَلَيْكُمْ ءَايَـٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 151]
ثم خلص من ذلك إلى أمر جامع لكل هذا وهو الأساس، فقال:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
فاذكروني هذا هو الأساس.
وصية النبي بذكر الله والاستقامة كأمر جامع للإسلام
ولما جاء أحدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن أمر جامع يفعله، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله»
وأتاه عبد الله بن سفيان وقال: يا رسول الله، لقد تشعب بنا الإسلام، فقل لي في الإسلام قولًا لا أسأل أحدًا بعدك فيه. فقال له:
قال رسول الله ﷺ: «قل آمنت بالله ثم استقم»
وفسر الشراح الاستقامة بذكر الله [أي أن حقيقة الاستقامة تتحقق بدوام ذكر الله تعالى].
قصة الشيخ الذي قضى عشر سنوات في تفسير آية الذكر والشكر
وهذه الآية فيها أربع مسائل:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
وكنا في أيام الطلب جلس أحد مشايخنا الكرام يفسر هذه الآية، وجلس سنتين في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾. وبعد أن انتهى من بيان هذا الأمر في سنتين، قال لنا: إن شاء الله السنتان القادمتان في قوله: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾، وسنتان أخريان في قوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي﴾، وتمام العشرة في: ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.
يعني هو يقف عند كل كلمة ويريد أن يحيا فيها قبل أن ينتقل إلى الكلمة الأخرى.
كتاب التاج الجامع للأصول وجمع أحاديث الذكر وآدابه وأنواعه
فاذكروني، هنا ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ اذكروني، كيف نذكره؟ كان [شيخنا] يقرأ لنا من كتاب لطيف اسمه «التاج الجامع للأصول من أحاديث الرسول» صلى الله عليه وسلم، للشيخ المقام الزينبي الشيخ منصور علي ناصف.
وقد جمع في هذا الكتاب الكتب الستة [كتب الحديث الستة المعتمدة] بعد تهذيبها وحذف المكرر منها، ثم شرحها بهامش لطيف في أسفل العبارة.
جلس على عادة الأولين في تفسير قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾، جمع ما ورد في السنة الشريفة من كيفية الذكر، وآداب الذكر، وأنواع الذكر، ومواطن الذكر، إلى آخر ما هناك. جلسنا سنتين ندرس في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾.
كتاب الأذكار للإمام النووي وكيفية تطبيق ذكر الله في الحياة اليومية
الإمام النووي ألف كتابًا عظيمًا أسماه «الأذكار» يفسر قوله تعالى: ﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، كتاب ضخم جمع فيه وأوضح وبيّن فيه من سنة سيدنا رسول الله وسيرته وحاله مع ربه كيف نعيش كلمة ﴿فَاذْكُرُونِي﴾.
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال رسول الله ﷺ: «كل أمر، كل عمل لا يُبدأ فيه بحمد الله فهو أبتر»
وفي رواية: «ببسم الله فهو أبتر»، وفي رواية: «بذكر الله فهو أبتر». وقالوا [العلماء]: نجمع بينهما فنقول: بسم الله، الحمد لله.
تعليم النبي آداب الطعام والذكر عند دخول المسجد والخروج منه
ورأى عمر بن سلمة طفلًا صغيرًا وهو يبدأ في الطعام، فقال:
قال [النبي ﷺ]: «يا غلام، سمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك»
يعلمونهم آداب المائدة. ونحن من قبل عندما نأكل نقول ماذا؟ بسم الله، أو بسم الله الرحمن الرحيم. سمِّ الله كلمة جامعة، نبدأ ببسم الله.
وكان صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل المسجد ذكر الله وقال: «اللهم افتح لنا من أبواب رحمتك»، وإذا أراد أن يخرج قال: «اللهم افتح لنا من أبواب فضلك».
وإذا أراد أن يبدأ يومه فيخرج من بيته فيقول: «بسم الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، توكلت على الله».
أذكار دخول الخلاء والخروج منه وكيف تجعل الإنسان من الذاكرين
لما ذهبوا [العلماء] جامعين هذه الأشياء كلها، كان [النبي ﷺ] إذا أراد أن يدخل لقضاء حاجته -يعني يدخل دورة المياه- فيقول: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث»، وعندما يخرج يقول: «غفرانك».
كلمات بسيطة ولكنها تجعل الإنسان من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم -وقد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر- يعلم أمته، فيستغفر في اليوم مائة مرة.
تعجب أبي الحسن الشاذلي من استغفار النبي وتفسير غين الأنوار لا غين الأغيار
سيدنا أبو الحسن الشاذلي تعجب، يعني كيف أن سيدنا رسول الله يستغفر في اليوم مائة مرة؟ خاصة في حديث:
قال رسول الله ﷺ: «إنه ليُغان على قلبي، فأستغفر الله في اليوم مائة مرة»
يُغان على قلبي يعني يحدث شيء مثل الغَيْن والغَيْم، شيء مثل السحابة الرقيقة هكذا. قال [أبو الحسن الشاذلي]: أيُغان على قلب رسول الله؟ لست أفهمها أنا هذه. انظر، لست أفهم الحديث، لكن لا ينكره حتى يفهمه.
وهو ليس مقبولًا المعنى الخاص به أن سيدنا رسول الله يغفل عن ذكر الله ثم يستغفر الله؛ يعني ليس يدخل عقله كيف هذا، يعني هذا سيد الخلق، هذا كان قلبه معلقًا بربه دائمًا.
فرآه [النبيَّ ﷺ] في المنام وقال [له النبي ﷺ]: يا علي، غين أنوار لا غين أغيار. يعني هذه الأنوار تحجب الذي بينه وبين الخلق، لا الذي بينه وبين الخالق.
فلما تأتي الأنوار وتشغله عن الخلق وهو مكلف بالاتصال بهم، فإنه يستغفر الله على هذا، على هذا العلو الذي أمر الله نبيه بأن يعود إلى الناس ليبلغهم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
