سورة البقرة | حـ 172 | آية 153 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يدعو الله المؤمنين للاستعانة بالصبر والصلاة في الحياة، فالصبر الجميل يكون بلا جزع وبرضا وتسليم وتوكل على الله.
- •من يصبر لا يغضب ويستطيع التفكير بحكمة، والغضب نوعان: غضب للنفس مذموم، وغضب لله محمود حين تُنتهك حرماته.
- •كان النبي ﷺ لا يغضب إلا لله، ورفض القتال في مكة وقال: "إني رسول الله ولينصرني الله".
- •أوضح النبي ﷺ كيفية عيش المسلم وسط غير المسلمين بأمانة، فحفظ ودائع المشركين وأداها رغم أذيتهم.
- •قصة الرجل الذي وضع وديعته عند أبي جهل فأنكرها، فساعده النبي ﷺ في استردادها، فأرجعها أبو جهل لما رأى مهابة النبي.
- •علّمنا النبي ﷺ أن نكون مع الله، فلم يقاتل أهل مكة بل أدى أماناتهم وصبر على بلائهم تنفيذاً لأمر الله.
افتتاح الدرس وبيان آية الاستعانة بالصبر والصلاة من سورة البقرة
بسمِ اللهِ الرحمنِ الرحيمِ، الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا رسولِ اللهِ وآلهِ وصحبهِ ومن والاه.
معَ كتابِ اللهِ وفي سورةِ البقرةِ يقولُ ربُّنا سبحانَهُ وتعالى عنوانًا للمؤمنينَ في سيرِهم لحياتِهم إلى يومِ الدين:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 153]
هذا هو منهاجُ حياة المؤمن الذي آمن بالله ورسوله، أنه يطلب الاستعانة، والاستعانة تعني طلب العون.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]
نطلبها يوميًا من ربنا، ووسائل هذه الاستعانة تكون بالصبر.
صفات الصبر الجميل في القرآن من الرضا والتسليم والتوكل على الله
والصبر الموصوف في القرآن هو صبر جميل:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
والصبر الجميل يكون بلا جزع، ويكون برضا، ويكون بتسليم، ويكون بتوكل على الله.
هذه هي صفات الجمال في الصبر: أن الإنسان يرضى بقضاء الله وقدره، وأنه يسلم له سبحانه؛ فإنه لا يكون في كونه إلا ما أراد. ومن أجل ذلك فإنه لا يغضب، وإذا لم يغضب فإن ذهنه يكون قادرًا على التفكير والتدبر، ويكون قادرًا على أن يضع الأشياء في نصابها.
وهذا هو عين الحكمة:
﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
الفرق بين الغضب للنفس المذموم والغضب لله الممدوح وضوابط كل منهما
والغضب قد يكون للنفس وقد يكون لله. فإذا كان للنفس فهو مذموم، يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
«لا تغضب ولك الجنة»
وإذا كان [الغضب] لله فهو ممدوح؛ لأنه يكون ناتجًا من موقف قوي لله وليس لهوى النفس.
ويكون الغضب لله إذا ما انتُهِكت حُرمات الله. ويكون الغضب للنفس إذا ما كان هذا الغضب يعود على النفس بوفاء شهوتها من الغضب؛ فإن الغضب شهوة، أو بوفاء مصالحها ومنافعها عند الخلق، أو للانتقام لنفسه ولمصالحه ومنافعه.
غضب النبي ﷺ لله عندما طلب منه رجل قتال المشركين في مكة
وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يغضب إلا لله. سأله سائلٌ وهو بمكة: يا رسول الله، استعرض بنا هذا الوادي - يعني نقاتل المشركين في مكة - فتغيَّر وجهه غضبًا.
لماذا غضب رسول الله ﷺ؟ لأن هذا [السائل] يريد في الظاهر أن ينصر الله، ولكنه في الحقيقة يريد أن ينصر نفسه، ويريد أن يُغلِب شهواته على مقتضى الحكمة، ويريد أن يسلك بنا في طريق لا نعرف نهايته ولا نعرف له بداية.
ولذلك غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:
«ألا إني رسول الله ولينصرني الله حتى تصير الظعينة - أي المرأة - من مكة إلى صنعاء لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها»
«وأنه كان يُؤتى بالرجل ممن كان قبلكم فيوضع المنشار في مفرق رأسه فيُنشر ما بين جلده وعظمه لا يرده ذلك عن دين الله»
يعني فصبر جميل.
كيف عاش النبي ﷺ في مكة بين غير المسلمين وأدى أماناتهم رغم أذاهم
وفي مكة، ولأنها ليست دارًا لإقامة أحكام المسلمين فيها، بيّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يعيش المسلم في أوساط غير المسلمين.
لم يؤمن أهل مكة، ولكنه [النبي ﷺ] حافظ على ودائعهم، وكانوا يأتمنونه من دون الناس. ووضع أحدهم أمانته عند أبي جهل وجاءه يطلبها فأنكرها.
إذن فالناس ليست مطمئنة لسيد قريش [أبي جهل]، ليست مطمئنة لأبي جهل، لكنهم لما كانوا يضعون الودائع عند الصادق الأمين [محمد ﷺ] كان يؤديها بالرغم من أذيتهم وكفرهم وإلحادهم وشركهم.
ولكن هذا لا بد علينا فيه من أداء الأمانة؛ فإن أداء الأمانة وعدم الغدر من صفات المؤمنين. ولذلك عندما أراد [النبي ﷺ] أن يهاجر من مكة إلى المدينة ردّ الودائع إلى أهلها، ولم يقل اذونى [أي لم يستبح أخذها]، ولم يستحلّل غدرهم بالرغم من أنهم من أهل الغدر.
قصة مطالبة رجل بوديعته من أبي جهل وذهاب النبي ﷺ معه لاستردادها
وعندما أنكر أبو جهل ما وُضع عنده من أمانة، أتى [صاحب الوديعة] قريشًا فإذا بهم يسخرون منه ويستهزئون به. وإمعانًا في الاستهزاء دلّوه على محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم بأبي هو وأمي، يريدون أن يذهب محمد إلى أبي جهل وتكون معركة، ويسخرون ويضحكون ويستهزئون بهذا المسكين الذي يطالب بوديعته.
قالوا له: لا يستطيع أن يرد وديعتك إليك إلا رجل يقال له محمد، فاذهب إليه واحكِ له حكايتك، فهو الذي يحبه أبو جهل وأبو جهل يحبه.
فذهب [الرجل] إلى محمد ﷺ فقال له: تعالَ معي، وذهب [النبي ﷺ] إلى أبي جهل وطالبه بالوديعة، فدخل [أبو جهل] وردّها للرجل.
رعب أبي جهل من النبي ﷺ ورؤيته فحل إبل ومهابة الله التي أغنته عن كل سلاح
فقال أهل الشرك له [لأبي جهل]: ما هذا يا أبا جهل؟ ظنناك تطرده ونستهزئ به ونفرح ونضحك! قال: أَوَلم تروا الفحل الذي كان وراءه؟ قالوا: أيّ فحل؟ قال: رأيت فحل إبل يفتح فمه ليبتلعني!
لقد رأى [أبو جهل] فحل إبل مع أنه لا يوجد فحل إبل ولا شيء. مهابة الله أغنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل سلاح، مما يعني [أن] هذا من عند الله.
هذه ليست أوهامًا، هذه حقائق. كن مع الله! لم يقاتلهم رسول الله ﷺ، بل عاش معهم وأدى أمانتهم وصبر على بلائهم.
خاتمة الدرس والتأكيد على الائتمار بأمر الله في الاستعانة بالصبر والصلاة
ولذلك ائتمر [النبي ﷺ] بأمر الله:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 153]
وهذه [الآية] وحدها تحتاج إلى لقاء آخر.
فأستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
