سورة البقرة | حـ 178 | آية 158 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 178 | آية 158 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يؤكد الله تعالى في قوله: "إن الصفا والمروة من شعائر الله" أننا امتداد للمرسلين خاصة لإبراهيم عليه السلام.
  • علّم الله إبراهيم أن الصفا والمروة من شعائر الله، وورث العرب ذلك لكنهم انحرفوا إلى الشرك.
  • ظن بعض المسلمين أن الإسلام يمحو كل عوائد الجاهلية، وهذا مفهوم يضاد مفهوم الحضارة.
  • يشبه هذا المفهوم الثورة البلشفية التي أرادت القضاء على كل ما يتصل بالقيصر، مما أدى لقتل من يحملون الخبرة والمعرفة.
  • الإسلام جاء لتمييز الحق من الباطل، فأقر النبي صلى الله عليه وسلم السعي بين الصفا والمروة لأنه من دين إبراهيم.
  • قوله تعالى "فلا جناح عليه" ينفي الشعور بالحرج من فعل شيء فعله المشركون ما دام حقاً.
  • هذه الآية عنوان لمن أراد التغيير الصحيح، بإقرار الحق حيثما كان والتخلص من الباطل فقط.
  • ضرورة الإنصاف عند إرادة التغيير، واتباع الحق ولو كان قد فعله المشركون.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تلاوة آية الصفا والمروة من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، نعيش هذه الدقائق مع قوله تعالى:

﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]

تأكيد الامتداد الحضاري لملة إبراهيم وانحراف العرب إلى الشرك

هنا يؤكد ربنا سبحانه وتعالى أننا امتدادٌ لجماعة المرسلين، خاصةً لسيدنا إبراهيم عليه السلام. سيدنا إبراهيم علّمه ربه أن الصفا والمروة من شعائر الله، وورث العرب ذلك من بعده.

لكنهم انحرفوا إلى الشرك، انحرفوا عن الحنيفية السمحة التي أتى بها إبراهيم عليه السلام:

﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]

[انحرفوا] إلى الشرك، وعلى الرغم من ذلك فإنهم ما زالوا يقدّسون ويعظّمون البيت الحرام، وما زالوا يبتدئونه بالطواف، وما زالوا يسعون بين الصفا والمروة.

خطأ بعض المسلمين في ظن أن الإسلام يمحو كل ما قبله دون تمييز

وظنّ المسلمون أو بعضهم أن دين الإسلام وقد جاء يمحو عوائد الجاهلية، أنه يمحو كل شيء مما قبله. وهذا مفهوم يضادّ مفهوم الحضارة، وهذا مفهوم تقع فيه الثورات.

مثال الثورة البلشفية في روسيا وخطورة تدمير كل ما يتصل بالماضي

الثورة البلشفية التي قامت في روسيا جاءت أعلنت الثورة، فبدأت بالقضاء على كل شيء يتصل بالقيصر وبعائلة القيصر وبما جعله قيصرًا. هذه بربرية؛ أمر قائد الثورة لينين أن يُقتل كل من كان منتميًا إلى عائلة القيصر.

وفجأة وجدوا أن الكهرباء في موسكو قد انقطعت، وموسكو بلد كبير وشوارعها واسعة والثورة قوية، فانقطعت [الكهرباء].

فسأل [لينين] عن ذلك: ما هو الخبر؟ قالوا: المهندس الذي كان يمسك الكهرباء ويعرف سرّها وأحوالها ومداخلها ومخارجها، قتلناه.

لماذا؟ قال: لأنه كان من عائلة القيصر، وأنت قلت لنا اقتل كل من ينتمي إلى القيصر.

درس الثورة البلشفية في أن قتل الذاكرة يعني خراب الأمة

يا الله، هذا خراب! إننا لو قتلنا هؤلاء، قتلنا ذاكرة الأمة، قتلنا ذاكرة البلد.

فربنا يعلّمنا ما يقع فيه الخلق عندما يفكر [الإنسان] من نفسه ويرى أن صفحة جديدة يجب أن تبدأ بموضوع معين وكذا إلى آخره؛ فتمزيق الصفحة التي قبلها مصيبة سوداء. ليس هكذا!

القرآن كتاب هداية وحضارة يميز بين الحق والباطل ولا يلغي كل الماضي

﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 158]

تُتّخذ منها [هذه الآية دروس عظيمة في] كيف تجعل القرآن كتاب هداية وحضارة، كيف تعالى [تستخرج منه]، أين الحق وأين الباطل.

نحن جئنا لننفي الباطل، ليس لننفي كل ما كان قبلنا سواء ما كان حقًا أو باطلًا، لا أبدًا. نحن جئنا نغيّر الباطل وننفيه ونعدمه مع الإبقاء على الحق؛ فالحق حق.

فأقرّ النبي صلى الله عليه وسلم الأمر، فأرجعه إلى ما كان عليه في دين إبراهيم [عليه السلام]؛ أن نذهب ونطوف بالبيت، وعلّمهم الصلاة خلف مقام إبراهيم:

﴿وَٱتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]

ركعتين، وعلّمهم الطواف بين الصفا والمروة، فردّ بذلك على هذا التوجه البشري وصحّحه.

التغيير الصحيح يقتضي التمييز بين الحق والباطل لا إلغاء كل الماضي

إذن، عندما نأتي بالتغيير، يحدث في مشارب بعض الناس وفي قلوبهم حبّ القضاء على كل ما هو ماضٍ وعلى كل ما هو قبل الآن، وهذا شعور خاطئ ويجب علينا أن نتخلص منه.

وأن نعود إلى معيار الحق، فنفرز الباطل من الحق، ونستمر على الحق، وننفي ونعدم الباطل.

آية الصفا والمروة عنوان للتغيير الصحيح القائم على الإنصاف وإقرار الحق

إذن هذه الآية هي عنوان كبير لمن أراد التغيير، وشرط عظيم لمن أراد التغيير في الطريق الصحيح؛ بأننا نقرّ الحق حيثما كان.

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

يعلّمك الإنصاف؛ إذا أراد أحدٌ التغيير فلا بدّ له من الإنصاف.

السعي بين الصفا والمروة من دين إبراهيم ومعنى رفع الجناح في الآية

الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حجّ البيت أو اعتمر فعليه أن يستمر في هذا [السعي]؛ لأنها من دين إبراهيم [عليه السلام] ومن صحيح الدين، وليست مما قد طرأ عليه من شرك أو فساد أو انحراف.

﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾: فهم بعضهم من الصحابة والتابعين أنّ "فلا جناح عليه" معناها أن الأمر فيه تخيير؛ فيجوز لمن حجّ أن يطوف ولا يسعى، إذا أردت أن تسعى فاسعَ، وإذا أردت ألّا تسعى فلا تسعَ.

لا! ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ ينفي هذا الشعور بالحرج من أننا نفعل شيئًا قد فعله آباؤنا المشركون، فقال [الله تعالى]: لا جناح عليك أن تُقلّد المشركين فيما حافظوا عليه من الحق.

الإنصاف يقتضي عدم إلغاء العمل الصحيح لمجرد أن المشرك فعله

يا له من إنصاف! أنا لا ألغي كل عمل لأنه قد فعله المشرك، لا! هذا عمل صحيح، ولذلك فلا بدّ عليّ أن آخذه، ولا حرج عليّ في هذا في اتباع الحق.