سورة البقرة | حـ 183 | آية 161 : 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية القرآنية "إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" تقرر أن من كفر وعاند الهدى وأفسد في الأرض فقد أضر نفسه.
- •الكفر منهج معوج يعد من الكبائر، ويترتب عليه ثلاثة آثار: الفساد وتمثله لعنة الله، وقلة البركة وتمثلها لعنة الملائكة، والأذى وتمثله لعنة الناس أجمعين.
- •الفرق بين الفساد وقلة البركة أن الفساد يتعلق بالكم كنقص المحصول، بينما قلة البركة تتعلق بالكيف كعدم كفاية المحصول لعدد الناس.
- •مهمة المسلم هي التبليغ فقط دون إكراه، فليس عليه أن يسيطر على الناس كما قال تعالى: "لست عليهم بمسيطر".
- •قد يهدي الله الكافر أو يخرج من نسله من يعبد الله، كما رفض النبي إهلاك أهل الطائف.
- •الوعد لا يخلف أبداً من فضل الله، أما الوعيد فقد يخلف برحمة الله ومغفرته.
افتتاح الدرس وتلاوة آيات اللعنة على الكافرين من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة نتلو قوله تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَـٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ﴾ [البقرة: 161-162]
تقرير الله أن الكفر والعناد والإفساد من الكبائر التي توجب اللعن
قرر ربنا سبحانه وتعالى أن من كفر فكتم البينات وعاند الهدى وأفسد في الأرض وأعلن الكفر، فإنه قد أضر نفسه. ولذلك يجب علينا أن نعلم أن هذا المنهج المعوج الذي يعاند الله، والذي يعاند البينات من بعد ما بيّنها الله في الكتاب، والذي يعاند الهدى، والذي يريد فسادًا في الأرض، هو منهج من الكبائر.
أن يتخذه الإنسان [هذا المنهج] يكون قد ارتكب كبيرة من الكبائر؛ فإن الله جعل بإزائه لعنًا، وأكد هذا اللعن بأن البركة تزول منه.
الفرق بين الفساد وعدم البركة من حيث الكم والكيف
فنبّهنا [الله سبحانه وتعالى] على أن هناك أيضًا لعنًا من الملائكة. هؤلاء [الملائكة] دائمًا يفكرون بماذا؟ بالبركة. فالملائكة تلعن أي ما ليس فيه بركة، ليس في [ذلك] فساد فحسب، بل فيه كذلك نزعٌ للبركة.
ما الفرق بين الفساد وبين عدم البركة؟
قال [العلماء]: هذا [الفساد] يعود إلى الكم، وهذا [عدم البركة] يعود إلى الكيف. الفساد يعود إلى ماذا؟ الكم؛ الأرض تنتج مائة إردب فتجدها أنتجت خمسين، هذا فساد، هذا في شيء هنا خطأ سمّوه فسادًا.
العالم: عدد المعاقين أو عدد المرضى أو عدد كذا، آخرها في الدنيا عشرة أصبحوا عشرين، هذا فساد في العالم في هذا الكون.
توضيح مفهوم عدم البركة بالأمثلة العددية وأثره مع الفساد
حسنًا، عدم البركة إذن: وُجد المائة كما هي مائة، والمائة إردب هؤلاء يكفون كم؟ كانوا يكفون ألف شخص، لا، أصبحوا يكفون خمسمائة فقط.
حسنًا، لو جمعنا الاثنين [الفساد وعدم البركة]: الخمسين [إردبًا المتبقية بسبب الفساد] المفروض أنهم كانوا يكفون خمسمائة، وبقلة البركة يصبح يكفي مائتين وخمسين فقط.
فيصبح عندما ينبّهنا ربنا سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ لعنة الله: آه، هذا فساد، هذا يصبح فيه فساد إذن. ولعنة الملائكة: هذا يصبح فيه قلة بركة إذن. ولعنة الناس: هذا يصبح فيه أذية.
الكفر يجلب الفساد وقلة البركة والأذى ووجوب التبليغ دون إكراه
فيصبح إذا الكفر سيئ؛ لأن الكفر فيه فساد، وفيه قلة بركة، وفيه أذى.
عندما نقول يا إخواننا: لا تكفروا، فهذا هو الكفر، وإن كانت مسألة شخصية، وصحيح أنه لا إكراه في الدين، وصحيح كل ذلك، ولكن انتبهوا أيضًا إلى أن كفركم هذا ينشر الظلام والظلمة وعدم البركة والأذى والفساد فيمن حولكم.
أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نبلّغ هذا [الدين] للناس من غير إكراه، فلا بد علينا أن نمتثل لأمر الله وأن نصبر على ما أراده الله لنا. قال [سبحانه]: ليبلّغ فقط، لست عليهم بمسيطر.
باب التوبة مفتوح وموقف النبي من أهل الطائف وعدم اليأس من هداية الناس
ما لم نُمنح الخاصية أو القدرة التي تنهي الفساد من الأرض، لا. قال [الله]: ما لك دعوة، اتركهم لنا؛ لأن ربنا يمكن أن يهديهم.
﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 160]
التي هي الآية التي من قبل، فلماذا لم يتوبوا؟ ولذلك أنا لا أعرف من لا يتوب ومن لن يتوب، فلم يقل [الله]: اقضِ عليهم انتهى أمرهم، لا، هؤلاء لا فائدة منهم، لا، لم يقل ذلك.
ولذلك عندما نزل الملك — ملك الجبال — على سيدنا رسول الله ﷺ في الطائف وقال له: يا محمد، أُطبق عليهم الأخشبين [الجبلين] هكذا، اصنعوا لكم زلزالًا ويموتوا، فقال ﷺ: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله.
مهمة المسلم الإنسانية في التبليغ دون يأس والتوكل على الله
إن الله — هذا أيضًا لا يتحدث عن الذين [هم] موجودون بأن ربنا يهديهم — هؤلاء هم أولادهم، وقد كان [ذلك] ودخلوا في دين الله أفواجًا.
مهمتك الإنسانية هكذا: أن تبلّغ، وأن تعرف أنك لست عليهم بحفيظ ولست عليهم بمسيطر. وقال [الله]: لا تيأس من هذا، وتقولها كلمة ثم بعد ذلك تتوكل على الله.
﴿إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 23]
﴿وَقُلْ إِنِّىٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ﴾ [الحجر: 89]
فقط بلّغ وقل ودع [الأمر لله].
حال الذين ماتوا على الكفر وعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة: 161]
انظر إلى الإشارة: ليس الراضون بالتوبة، ليسوا كالذين تابوا وأصلحوا وبيّنوا، لا. هؤلاء كفار وباقون كفارًا على الأمور الثلاثة التي ذكرناها: الفساد وقلة البركة والأذى.
﴿أُولَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 161]
أولًا: الفساد.
﴿وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ [البقرة: 161]
وليس هناك بركة يلفتنا إليها.
﴿وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161]
وكذلك فيه أذى.
﴿خَـٰلِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162]
كلمة خالدين فيها هذه تخويف:
﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]
مذهب الأشاعرة في التفريق بين الوعد والوعيد وإمكانية العفو الإلهي
ولذلك السادة الأشاعرة تكلموا: الله لمّا يعدنا بالجنة هل يمكن أن يُخلف؟ قالوا: لا يمكن، إن الله لا يخلف الميعاد.
قالوا: حسنًا، لو قال [الله] إن هذا وعيد، وقال إن فلانًا هذا يدخل النار — يعني الذي سيفعل هذا يدخل النار — يمكن أن يعفو؟ قالوا: هو يمكن أن يعفو.
انظر كيف أن الوعد لا يُخلف والوعيد قد يُخلف. الوعد لا يُخلف أبدًا من فضل الله ورحمته الكريم، والوعيد قد يُخلف فربنا يسامحه [العبد].
قصة من أسلم بعد فهمه أن الوعيد قد يُخلف وختام الدرس
شخص مرة قال لي: إن الله يعني «خالدين فيها لا يُخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون»، معنى ذلك أنه يمكن أن يعفو عنهم. قال لي: هذا الذي كان يعوقني عن الإسلام، وشهد الشهادتين!
فَهِمَ [هذا الشخص فهمًا] خطأ، فشهد الشهادتين. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين من غير حول منا ولا قوة.
واللهم تقبل منا صالح أعمالنا، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
