سورة البقرة | حـ 184 | آية 163 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •قضية التوحيد أساس يقوم عليه الكون، وهي معيار للإيمان والكفر وللقبول والرفض.
- •الآية "وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم" تلخص قضية الوجود وتجيب عن الأسئلة المحيرة.
- •الله خلق الخلق وأرسل الرسل وأنزل الكتب من رحمته، فهو الرحمن.
- •كرّم الله بني آدم وبنى التكليف على التشريف، وبنى الشريعة على اليسر والرفق.
- •فتح الله باب التوبة والمغفرة، وجعل الحساب مبنياً على رحمته، فهو الرحيم.
- •أجابت آية التوحيد عن أسئلة المنشأ والحاضر والمستقبل: من خلقنا؟ ماذا نفعل؟ ماذا سيكون بعد الموت؟
- •الإنسان بالإيمان يجد الإجابات اليقينية، بينما من سلك طريق البحث العلمي وحده لم يصل إلى يقين.
- •الله لم يُشهد الخلق على خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، لذلك ظلت نظرياتهم قاصرة.
- •البداية الصحيحة هي الإيمان، ومن أخّر الإيمان حتى يحصل علم الحس لم يحصل شيئاً.
افتتاح الدرس بالحمد والصلاة على النبي ﷺ والدعاء للأمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، سيد الخلق أجمعين، حبيب الرحمن، قوي الأركان، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، الذي هو رحمة للعالمين.
فاللهم جازِهِ عنا خير ما جزيت نبيًّا عن أمته، وأحيِنا على ملته، وأمِتنا على دينه وشريعته، واحشرنا تحت لوائه يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا، ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
تقديم آية التوحيد في سورة البقرة وبيان أنها قضية الكون الكبرى
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، مع قوله تعالى وهو يقرر قضية العالمين إلى يوم الدين؛ القضية التي قامت عليها السماوات والأرض، القضية التي هي معيار للكفر والإيمان، ومعيار للقبول والرد، ومعيار للتعمير والتدمير.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحْمَـٰنُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163]
الآية تلخص قضية الكون وتجيب عن أسئلة الوجود المحيرة
وهذه آية تلخص قضية الكون وقضية الناس أجمعين، وتجيب عن السؤال الأهم، ثم بعد ذلك تتتالى الإجابات على أسئلة حيرت الإنسان، وأساس كل هذه الإجابات هذه الآية [آية التوحيد في سورة البقرة].
من الذي أوجدنا؟ كيف وُجدنا في هذه الأكوان؟ فيؤسس الله في قلوبنا وعقولنا وأرواحنا وأنفسنا شيئًا مستقرًّا وأساسًا متينًا وأصلًا لا يتزعزع ولا يتزحزح، وهو أنه هو الله الذي خلق.
﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163]
رحمة الله في إرسال الرسل وإنزال الكتب وبيان التكليف والتشريف
والله سبحانه وتعالى كان من الممكن أن يخلقنا وأن يدعنا ندبر أمرنا بأنفسنا، لكنه أرسل الرسل وأنزل الكتب من رحمته؛ فهو الرحمن، ومن رحمته هذه تجلى علينا بتلك الصفة، فسمح لنا أن نطلع على كلامه وأن نتلوه، وأن نفهم ما الذي نفعل وما الذي لا نفعل، فأمر ونهى.
ثم بعد ذلك بنى هذا التكليف على تشريف لبني آدم:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
وبناهُ مرة أخرى عند الحساب على اليسر؛ فبُنيت الشريعة على اليسر: «يسِّروا ولا تُعسِّروا»، فالرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه.
فتح باب التوبة والمغفرة وبناء الحساب على رحمة الله في الدنيا والآخرة
وأيضًا فتح باب التوبة والعفو والمغفرة والصفح والرأفة، وبُني الحساب — والحساب قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة — على رحمة ثانية غير الرحمة الأولى التي شرَّفنا وكلَّفنا بها.
فهو الرحمن ولكنه هو أيضًا الرحيم، وهو الرحمن الرحيم؛ رحيم الدنيا ورحمن الآخرة.
إجابة الآية عن أسئلة المنشأ والحاضر والمستقبل بعد الموت
فهذه الآية [آية التوحيد] فهَّمت المؤمنين الإجابات على الأسئلة المحيرة:
من أين نحن؟ من خلق الله.
وماذا نفعل هنا [في الدنيا]؟ نعبد الله:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وماذا سيكون غدًا بعد الموت؟ رجوع إلى الله:
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: 56]
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
نرجع إليه بموجب ماذا؟ بموجب أن يُنبئنا بما كنا نعمل وفيما كنا نختلف، ويُنبئنا ويحاسبنا، ثم بعد ذلك يجعل أقوامًا للجنة وأقوامًا للنار:
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
فأجابت هذه الآية عن المنشأ وعن الحاضر وعن المستقبل.
عجز غير المؤمنين عن الإجابة على أسئلة الوجود رغم بحثهم العلمي
ومن هنا يبدأ الإنسان [المؤمن] حياته، في حين أن أقوامًا آخرين لم يستطيعوا أن يجيبوا — لأنهم لم يسلكوا طريق الإيمان — على هذه الأسئلة [أسئلة الوجود والمصير]، وأخذوا في البحث وأسموه بـالبحث العلمي من أجل أن يجيبوا على هذه الأسئلة.
وإلى الآن — وقد ظن أهلها أنهم قادرون عليها — لم يجيبوا على الأسئلة، وذلك لحقيقة بسيطة أشار إليها الله سبحانه وتعالى ولفت النظر إليها:
﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾ [الكهف: 51]
بقاء النظريات العلمية في طور النظر لعدم شهود الخلق وانعدام اليقين بدون الإيمان
فإذن الله سبحانه وتعالى ما أشهدهم خلق السماوات؛ ولذلك كل النظريات ما زالت في طور النظر والتقليب، ولا خلق الأرض؛ ولذلك فكل النظريات كذلك، ولا خلق أنفسهم؛ ولذلك هم لم يُجمِعوا بعدُ [على] ما يوصلهم إلى اليقين.
وكل ذلك يجعل أنه لا توجد إجابة يقينية من قِبَل هذا التفتيش [البحث العلمي المادي]، ولا إجابة يقينية إلا بالإيمان:
﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ لَّآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163]
سبحانه وتعالى.
وجوب تقديم الإيمان على البحث الحسي وعاقبة من أخّر الإيمان
لأنه [سبحانه] لم يفعل فينا ذلك [لم يُشهدنا الخلق] ولم يعطنا ذلك العلم، وفوق كل ذي [علم عليم]:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]
فإنه أمرنا أن نبدأ ونجعل البداية هي الإيمان، وبعضهم أراد أن يؤخر الإيمان حتى يعلم علم الحس، فلم ينتهِ إلى شيء؛ فلا حصَّل الإيمان ولا حصَّل الحس.
وأصبح كل ما حصَّله هو مجموعة من المعلومات غير المتواكبة وغير المتراكبة وغير المتلائمة، التي يستطيع بها أن يفهم جزءًا من الكون ولا يفهم باقيه.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
