سورة البقرة | حـ 186 | آية 164 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 186 | آية 164 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يقيم الله في سورة البقرة الدليل العقلي والبرهان اليقيني الذي يدعو البشر لاستعمال حواسهم وعقولهم بطريقة مستنيرة مرتبطة بحقيقة وجوده.
  • الفكر المستنير هو ما دل على حقيقة وجود الله، أما ما لم يدل وزاد الإنسان حيرة فهو فكر غير مستنير.
  • يدعونا القرآن للتأمل في خلق السماوات والأرض أثناء السجود، وتذكر الشمس والقمر والنجوم والسماء بصفائها وبهائها.
  • في الأرض نتأمل الأنهار والأشجار والنبات والحيوان والإنسان بأحواله المختلفة.
  • خلق الله ثنائيات متكاملة كالليل والنهار والصيف والشتاء والذكر والأنثى، وبها عمارة الكون.
  • لم يصنع الإنسان شيئاً في السماء ولا الأرض ولا الليل والنهار، لكن الله علمه صناعة السفن وغيرها.
  • نعم الله تستوجب الشكر، وتعطيلها كفران بها.
  • أقام الله أدلة على وحدانيته التي هي قضية الكون.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

منهج القرآن في إقامة الدليل العقلي على وجود الله في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يُقيم الله سبحانه وتعالى الدليل العقلي والبرهان اليقيني الذي يُطمئن قلوب البشر، والذي يدعوهم إلى أن يستعملوا حواسهم وعلومهم وعقولهم بطريقة مستنيرة.

والاستنارة لا تكون إلا إذا ربطوا هذه المعلومات بالحقائق العليا؛ بوجود الله سبحانه وتعالى. فإذا دلّت هذه المعلومات على تلك الحقيقة فهو الفكر المستنير، وإذا لم تدلّ وزادت الإنسان حيرةً واضطرابًا، ففي هذه الحالة هي من الفكر العميق لكنها ليست مستنيرة؛ هذه الأفكار بل قد تكون مظلمة.

التفكر في خلق السماوات والأرض أثناء السجود وتأمل الشمس والقمر

﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 164]

وأنت ساجد هكذا تُسبّح ربنا، يجعلك تتذكر الشمس وهي جِرمٌ سماوي، فماذا عن القمر؟ الشمس بحرارتها ونفعها وضيائها، حتى أن بعض الأمراض النفسية مرتبطة بالبلدان التي يكون فيها الغيم دائمًا؛ فالكآبة تحدث كآبةً للإنسان المحتاج للنور الحسي والحرارة والدفء.

ويؤثر هذا في العلاقات بين الناس بأن تكون باردة أو أن تكون حميمية. أتتذكر وأنت تقول سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الأعلى، الشمسَ؟ وتذكر القمر في جماله وتقلّبه واختلافه وكذلك.

التفكر في النجوم والسماء والأرض وما فيها من مخلوقات وأحوال البشر

وتذكر النجوم التي حُرمنا منها بعد التلوث الضوئي الذي نعيش فيه، وتذكر القبة السماوية بهذا الصفاء والبهاء والغيوم والسحاب والمطر. كل هذا تتذكره في السماء المشاهَدة، وتذكر أن هذه السماء وراءها ما وراءها إلى العرش، وتذكر عظمة الله.

وبعد ذلك انزل إلى الأرض؛ فتذكر الأنهار والأشجار والنبات والحيوان والجماد. تذكر هذا الذي في الأرض من بني الإنسان؛ من الهداية والضلال، من الكفر والإيمان، من الرحمة والقسوة، من التواضع والتكبر.

لذة التسبيح في النافلة بتأمل مفردات الكون وعدم إطالة الفريضة

أتعلم لو تذكرت واحدة هكذا وكل تسبيحة، ستبقى في السجود حوالي أربعين خمسين ستين تسبيحة ولن تنتهي! فهذا تجعله في النافلة التي بينك وبين الله، لا تفعله في الفرض.

وفي النافلة على الفور: سبحان ربي الأعلى، كفاية واحدة. لا، اعكس تُصِب؛ يعني اجعل ذلك في النافلة. ستجد لذة عندك أن تُسبّح ربك على مفردات الكون.

اختلاف الليل والنهار دليل على التكامل في خلق الله وثنائيات الكون

﴿إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 164]

يعني وفي خلق واختلاف الليل والنهار، بدأنا في المزاوجة. والليل والنهار فيهما تكامل؛ فالله قد خلق الصيف والشتاء، وقد خلق النور والظلمة، وقد خلق الذكر والأنثى، وقد خلق القوي والضعيف، وقد خلق وهكذا ثنائيات.

وهذه الثنائيات فيها تكامل وبها عمارة الكون. واختلاف الليل والنهار يدلّ على نِعَم الله ومِنَنه علينا.

تصور لو كان الليل أو النهار سرمدًا وحال أهل القطبين في ذلك

ولكن الله سبحانه وتعالى يأتي في أماكن [من القرآن] من أجل أن ندرك إحساسًا: ماذا لو كان قد جعل علينا الليل سرمدًا؟ وماذا لو كان قد جعل علينا النهار سرمدًا؟ يعني أبدًا، يعني ما ليس فيه اختلاف.

فتجد في القطب الشمالي أو الجنوبي الشمسَ تشرق لمدة ستة أشهر وتغيب ستة أشهر، فتقول الحمد لله. هذا القطب الشمالي، هذا يعني أنه لا يستطيع أحد أن يعيش فيه؛ لا تعرف أن تتوضأ ولا تعرف أن تستحم ولا تعرف شيئًا.

حمد الله على نعمة اعتدال الليل والنهار والماء والدفء وتوافق الأجسام

فتنزل قليلًا في الدفء تحت [خط العرض] قليلًا فقط، تحمد ربك تقول الحمد لله، اللهم ما كان يمكن أن يجعل علينا هذا البلاء ونصبح بهذه الكيفية. الحمد لله الذي خلقنا المياه مياهًا ليست ثلجًا، والنور نورٌ، والليل ليلٌ، والنهار نهارٌ.

وجعل لنا الليل سكنًا ونجلس هكذا نستريح بعد عناء النهار. وكذلك خلق أشياء في أجسامنا تتوافق مع الأضواء؛ يُفرز لا أدري الميلاتونين ولا أدري يفعل ماذا، أشياء هكذا الأطباء يعرفونها.

الفلك التي تجري في البحر ونعمة العلم الذي منحه الله للإنسان

واختلاف الليل والنهار والفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس. ابتداءً فإن هذه السماء التي تخصه [سبحانه] لم نصنع فيها شيئًا، وهذه الأرض التي تخصه ولم نصنع فيها شيئًا، والليل والنهار اللذان يخصانه لم نصنع فيهما شيئًا.

ولكنه وفّقنا بعلمٍ منحه إيانا وهو الذي علّمنا، وهو من عنده وليس من عندنا.

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

ولكنه علّمنا صناعة السفن التي تجري في البحر الذي هو من عنده، وصناعة المرسى التي نجعلها على البر حتى تستقبل السفينة وهي من عنده، وصناعة البضائع التي نركب بها في المركب.

تعليم الله لآدم الأسماء وتنبيه الإنسان إلى نعم الله وراء أعماله

كل هذا التعليم علّمه لنا.

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]

فابتدأ يلفتنا إلى نِعَمٍ من عنده وراء أعمالنا. نحن أولًا بدأ بما لا عمل لنا فيه: السماوات والأرض والليل والنهار لا عمل لنا فيهما، والبحر والبر لا عمل لنا فيهما.

لكن ابتدأ يشير إلى ما لنا فيه عمل، وهذا العمل إنما هو من عنده. فإذا دعانا [الله] إلى العمل، والعمل بما علّمنا نعمةٌ من النعم التي تستوجب الشكر. وهذه النعمة التي تستوجب الشكر إذا عطّلناها فقد كفرناها.

ختام الحلقة والإشارة إلى أدلة الوحدانية في الفلك التي تجري في البحر

والفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وإلى لقاء آخر لأدلة يقيمها الله على هذه الوحدانية التي هي قضية الكون.

نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.