سورة البقرة | حـ 188 | آية 165 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن التوحيد وخطورة اتخاذ الأنداد مع الله، حيث أوضح أن الناس متفاوتون في إخلاص التوحيد لله.
- •بعض الناس يشركون بالله باعتقادهم بتعدد الآلهة، فمنهم من يؤمن بإله للخير وإله للشر، ومنهم من يعتقد بثلاثة آلهة أو أكثر.
- •قد يكون الشرك بطاعة الهوى في بعض الأمور والله في أخرى، وهذا انحراف عن التوحيد الخالص.
- •المؤمنون الحقيقيون أشد حباً لله من غيرهم، ولا يتخذون أنداداً يحبونهم كحب الله.
- •يحب المؤمنون كل شيء من خلال حبهم لله، فيحبون النبي والصالحين والصلاح لأن الله يحب ذلك.
- •حذر النص من ظلم النساء والتعدي عليهن بالضرب، فالقوة لله جميعاً وليست للرجل على المرأة.
- •الحرية الحقيقية هي عدم الخوف من أحد إلا الله، والتوكل عليه والرضا بقضائه.
- •ينبغي التوبة إلى الله من الظلم والاعتراف بأن القوة لله وحده.
مقدمة الدرس والاستعانة بالله في تدبر سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله في سورة البقرة، نطلب منه الهدى والهداية، وعسى الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا مراده من كتابه.
الإنصاف في الحكم على الناس وضرورة تبرئة القلوب من الشرك
يقول ربنا:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 165]
وهو يعلمنا الإنصاف؛ ليس كل الناس [سواء في الضلال]. إذا ما أرادوا أن يسيروا على الصراط المستقيم وأن يحصلوا على سعادة الدارين، [فعليهم] أن يبرئوا قلوبهم من الشرك بالله ومن اتخاذ الأنداد.
أنواع الشرك في الوجود واعتقاد تعدد الآلهة عند بعض الطوائف
والند [هو] المساوي، والمساواة قد تكون في الوجود؛ فيكون كعابد الوثن، أو الذي يعتقد أن هناك خالقين أو ثلاثة أو تسعة لهذا الكون. وهو أمر موجود في العالم؛ فبعضهم يعتقدون أن هناك إلهًا للنور وإلهًا للظلام، أو أن هناك إلهًا للخير وإلهًا للشر.
وبعضهم يعتقد أن الإله ثلاثة، وبعضهم يعتقد أن الإله أكثر من ذلك، إلى أن وصل الأمر في بعض عقائد الناس إلى تسعة.
والأمر ليس كذلك، فلا إله إلا الله. والتوحيد عليه أهل الكتب المنزلة، فكلهم يقرون بأنه لا إله إلا الله، والحمد لله رب العالمين، ولكن تنحرف طوائف منهم عن ذلك.
الند في الطاعة واتباع الهوى بدلاً من طاعة الله في بعض الأمور
والند قد يكون أيضًا لقضية الطاعة؛ فهو يطيع الله في بعض الأمور ويطيع هواه في أمر آخر.
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ﴾ [الجاثية: 23]
يطيع الله في أشياء ولا يطيعه في أشياء أخرى.
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
قاعدة خلوص التوحيد وعدم اتخاذ أندادًا من دون الله
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 165]
إذا هو لم يكفر بالله، القاعدة الأولى قررت محض التوحيد، وهذه القاعدة تبرئ التوحيد من الشرك.
القاعدة الأولى:
﴿وَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَٰحِدٌ﴾ [البقرة: 163]
وهذه القاعدة [الثانية]: لا يجب أن تجعل مع هذا الإله الواحد إلهًا آخر.
قصة إسلام حصين وتركه عبادة الأصنام والاكتفاء بعبادة الله وحده
لأنه سيأتي ويقول لك: جاء بحصين وسأله: كم تعبد؟ فقال: أعبد ربًّا في السماء وسبعة في الأرض. فقال [النبي ﷺ]: اترك الذين في الأرض واعبد الذي في السماء.
فأدخلها في عقله، وقال له [النبي ﷺ]: اتركك من أولئك الذين في الأرض، فأولئك الذين في الأرض الذين تتخيلهم في عقلك وهم [ليسوا بشيء]، ولكن اعبد رب السماوات والأرض.
فقال: فماذا خسرت؟ إنني أعبد الذي في السماوات وهو الأصل. قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، [فـ] دخل الإسلام.
قاعدة خلوص التوحيد وأن المؤمنين أشد حبًّا لله من غيرهم
فإذا في هذه الآية يقرر [الله تعالى] قاعدة أخرى في خلوص التوحيد:
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]
ولذلك قال [النبي ﷺ]:
«لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»
وهذا يعلم الناس الحرية؛ بأنهم أحرار لا يخافون من أحد إلا الله، ويتوكلون على الله، ويرضون بما قسم الله، ويسلمون لقضاء الله. قلوبهم معلقة بالله، ولذلك ترى الدنيا في أيديهم وليست في قلوبهم.
الفرق بين حب المؤمنين لله وحب المشركين الذين يساوون غير الله به
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]
هؤلاء [المشركون] يحبون الله أيضًا، ولكن يحبون معه حبًّا مساويًا له. لكن الآخرين [المؤمنين] لا يحبون إلا الله، ويحبون كل شيء من خلال حبهم لله.
بعد ذلك صاروا يحبون النبي ﷺ لأن الله يحبه، يحبون الصالحين لأن الله يحبهم، يحبون الصلاح وعدم الإفساد لأن الله يحب ذلك.
حب الأهل وحسن معاملة النساء وأن خير الناس خيرهم لأهله
يحبون أهلهم، لا يضربون نساءهم؛ لأن الله أمرهم. قال [النبي ﷺ]:
«خياركم خياركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
وليس خيركم من يضرب. وانتبه كيف: وليس خيركم من يضرب! يعني الذي يضرب هذا يكون ماذا؟ يكون ليس خيرنا، يكون على الهامش هكذا حسنًا، ويكون ظلم نفسه.
التحذير من ظلم النساء بالضرب وأن القوة لله جميعًا وعاقبة الظالمين
والذي ظلم نفسه ربنا يقول ماذا؟
﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا﴾ [البقرة: 165]
لا إله إلا الله! إذن نريد توبة، إذن توبة هكذا ومحايلة.
﴿إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 165]
لماذا ستضربها الآن؟ هل أنت تتعافى عليها؟ تظن نفسك أنك قوي هكذا لأن الله خلقك ذكرًا وخلقك هكذا فتقوم لتضرب الفتاة؟ هذه الفتاة إنكم استحللتم فروجهن بكلمة الله، فتفعل بها هكذا؟
عاقبة ضرب النساء وأن الله أقوى من كل ظالم وشديد العذاب
إذا ضربتها هكذا تكسر ضرسها، تنكسر هكذا، هو كذلك.
﴿وَلَوْ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا إِذْ يَرَوْنَ ٱلْعَذَابَ أَنَّ ٱلْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 165]
hؤلاء الذين يضربون النساء، القوة لله! أنت تستقوي ولكن ربنا أقوى.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ﴾ [البقرة: 165]
والعياذ بالله تعالى.
الدعاء بالتوبة إلى الله والقبول والختام بالسلام
فلنتب إلى الله سبحانه وتعالى، عسى الله سبحانه وتعالى أن يتقبلنا وأن يرضى عنا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
