سورة البقرة | حـ 189 | آية 166 : 167 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 189 | آية 166 : 167 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يحرم الله تسلط الناس بعضهم على بعض، سواء كانوا أقوياء على ضعفاء أو أغنياء على فقراء أو حكاماً على محكومين.
  • المساواة أساس العدل والعدل أساس الملك، والمقصود المساواة لا التساوي، فهناك شيخ وتلميذ وغني وفقير وحاكم ومحكوم.
  • الجميع سواسية أمام الله في الواجبات والحقوق دون هيمنة أو سيطرة، حتى رسول الله لم يجعله الله مسيطراً.
  • يوم القيامة يتبرأ المتبوعون من الأتباع عند رؤية العذاب، فتتقطع العلاقات بينهم وينقطع الحبل الذي كان يربطهم.
  • كل إنسان مسؤول عن نفسه "لا تزر وازرة وزر أخرى"، وكل فرد يحاسب على أعماله.
  • يجب ألا يكون الإنسان تابعاً في الشر لأحد، ولا يطيع أحداً في الفساد.
  • على المرء أن يحسن إذا أحسن الناس وألا يظلم إذا أساء الناس.
  • يندم المتبوعون والأتباع يوم القيامة، فيرى الله الجميع أعمالهم حسرات عليهم.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وتحريم تسلط الأقوياء على الضعفاء في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نلتمس فيه الهدى والهداية في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحرّم تسلّط الناس بعضهم على بعض؛ تسلّط الأقوياء على الضعفاء، وتسلّط الأغنياء على الفقراء، وتسلّط الحكام على المحكومين.

الفرق بين المساواة والتساوي وأساس العدل في الإسلام

في طلبٍ للمساواة التي هي أساس العدل، والعدل أساس الملك. في طلبٍ للمساواة لا للتساوي؛ فهناك شيخ وهناك تلميذ، وهناك غني وهناك فقير، وهناك حاكم ومحكوم.

ولكن يجب أن يكون الجميع سواسية أمام الله في الواجبات والحقوق، ولا يكون هناك تبعية تُخرج الإنسان من حريته فتُخرجه من مساواته، وتكون هناك هيمنة وسيطرة.

فقد منع الله هذه السيطرة حتى عن رسول الله وهو سيد الأكوان، فقال له:

﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]

سيد الخلق قال [الصحابة]: ما جعلوه علينا مسيطرًا، نعله فوق رقابنا وهو تاج على رؤوسنا صلى الله عليه وسلم. وربنا ما جعله مسيطرًا:

﴿فَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 80]

تبرؤ المتبوعين من أتباعهم يوم القيامة وشمول الآية لكل متسلط

إذن يقول ربنا:

﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 166]

انظر إلى كلامهم [كلام القرآن في وصف هذا المشهد]؛ لا الحاكم والمحكوم، ولا الغني والفقير، ولا الرئيس والمرؤوس، ولا الرجل والمرأة، ولا الأب والابن، ولا زعيم الطائفة وأفراد الطائفة.

لا، المتبَعون والمتَّبِعون؛ هؤلاء يشملون كل متسلط. اتُّبِعوا لأنهم سيطروا وتسلّطوا وهيمنوا.

مشهد يوم القيامة وتبرؤ الرؤساء من أتباعهم وإنكارهم لمعرفتهم

﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 166]

الرؤساء العظماء وما إلى ذلك، يأتون يوم القيامة في حالتهم يُرسى لهم [يُوقَفون للحساب]، فقال لهم [الله]: ما رأيكم في الذين اتبعوكم هؤلاء؟ قالوا: نحن لا نعرفهم.

﴿يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34-37]

هؤلاء أتباعكم؟ قالوا: لا نعرفهم ولا رأيناهم من قبل. نحن رأيناك يا... من قبل يا الله!

كذب المتبوعين يوم القيامة وإنكارهم لعلاقتهم بأتباعهم خوفًا من العذاب

طيب ولماذا هذا الكذب؟ أنت كنت رئيسي وأنت الذي قلت وأنا اتبعتك، ولا رأيتك ولا أعرفك اليوم، أنا لا أعرف أحدًا.

طيب لماذا هكذا؟ أنت تكذب الآن!

﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 166]

طيب لماذا يفعلون هكذا؟ خائفون. من ماذا؟ واقفون [في ساحات الحساب]، وهو من الأسباب الكذب والخوف؛ يرونهم لم يُعذَّبوا بعد ولا شيء، هم واقفون في ساحات يوم القيامة فيرون النار من بعيد هكذا وهم يرون النار فارتعشوا.

إنكار المتبوعين لذنوبهم وتبرؤهم من إضلال الناس يوم القيامة

قال لهم [الله]: ها أنتم كنتم تعملون ذنوبًا. قالوا: نحن لا نعمل ذنوبًا ولا نعمل شيئًا، نحن أناس كنا أناسًا طيبين تمامًا.

أنتم أضللتم الناس هؤلاء جميعًا؟ قالوا: ولا الناس هذه كلها لا نعرفها ولا نريد أن نعرفها.

﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 166]

حسنًا، هذا سهل عليهم أن يقولوا هذا.

ورطة التابع يوم القيامة وسقوط حجة التبعية أمام الله

ولكن ما موقفك أنت إذن أيها التابع؟ ألست في ورطة الآن؟ لأن حجتك أن تقول له: ربي، هو الذي أضلني فأنا مظلوم وضعيف ولا حيلة لي، دعني أرى.

هو الذي قال [المتبوع: لا أعرفه]، لا! أنت عليك مسؤولية. لماذا لم تقل لا؟ سرت هكذا [وراءه في الباطل].

لماذا؟ لكن تريد الإرادة [الحرة]، لا! يجب عليك إلا أن تكون حرًّا.

تقطع العلاقات والأسباب بين المتبوعين والأتباع عند رؤية العذاب

﴿إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا وَرَأَوُا ٱلْعَذَابَ﴾ [البقرة: 166]

فلما رأوا العذاب حدث لهم أن العلاقات التي بينهم انقطعت تمامًا.

﴿وَرَأَوُا ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]

العلاقات مثل الحبل هكذا، الحبل انقطع. وعندما انقطعت الحبال لم تعد هناك هيئة أن هذا زعيم وهذا فرد من أفراد الناس، أن هذا حاكم وهؤلاء محكومون. لا، بل أصبح كل واحد برأسه.

سقوط حجة التبعية وتحمل كل إنسان مسؤوليته الفردية يوم القيامة

فتصبح حضرتك الحجة الوحيدة التي كنت ستراك [ستنجيك] أصلًا، الملفات ضاعت. الملف الذي أنت عامله وموظفه كله أنك أنت تابعه، لا! لم تعد تتبعه، أنت أصبحت وحدك هكذا.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: 13]

ليس في عنق زميله ولا عنق رئيسه، بل في عنقه.

﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ﴾ [الإسراء: 13]

ليس أخوك الذي [يلقاه]، هو أنت يلقاه منشورًا.

﴿ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ﴾ [الإسراء: 14]

ليس كتاب غيرك.

﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: 166]

موقف عصيب ينبّه إليه القرآن في طوله وعرضه.

أهمية الحرية الفردية وعدم اتباع أحد في الشر والفساد

لأنه لو عملت في نفسك لأصبحت شخصًا حرًّا تعرف كيف تتكلم، لا تتجاوز حدودك، صحيح. لا تكلّف نفسك ما لا تطيق، صحيح. تقوم بدورك الذي أقامك الله فيه ومقامك الذي أقامك الله فيه، صحيح.

لكن لا تكن تابعًا في الشر لأحد، ولا تُطع أحدًا في الفساد، ولا تكونوا إمّعة ممن يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت.

ولكن وطّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا.

تمني الأتباع العودة للتبرؤ من رؤسائهم وحسرتهم يوم القيامة

فيبقى الذي نقول له: أنت فاسد، لماذا؟ يقول: ما كل الناس هكذا! فيبقى إذن وعيه ليس تامًّا.

﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة: 167]

تركونا أم ماذا؟ لو أن لنا كرّة [رجعة إلى الدنيا] فنتبرأ منهم كما تبرّأوا منا. فلماذا لا تأتين لتفعليها من الآن ما دمت هنا [في الدنيا]؟ ها هو الحق، اذهب! أنت هنا، ها هو، تبرّأ من الآن!

فنتبرأ منهم كما تبرّأوا منا. هذا الكلام سيُقال وهذا الكلام حق.

حسرة الأعمال السيئة يوم القيامة والدعاء بالثبات على الحق

كذلك:

﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَـٰلَهُمْ حَسَرَٰتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَـٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 167]

نسأل الله السلامة والإعانة.

اللهم قوِّ إيماننا يا أرحم الراحمين، وأقمنا على الحق وأقم الحق بنا من غير شطط، واهدنا فيمن هديت.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.