سورة البقرة | حـ 192 | آية 171 : 172 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •العقل مناط التكليف الشرعي، ولا تكليف إلا بعقل، فالصبي والمجنون والنائم غير مكلفين لغياب العقل.
- •يتكون العقل من أربعة عناصر: الدماغ السليم، المعلومات السابقة، الحواس السليمة، والعملية التفكيرية.
- •فقدان أي من هذه العناصر يخرج الإنسان من دائرة التكليف، فمن كان أصم أبكم أعمى فهو غير مكلف ويدخل الجنة برحمة الله.
- •الكافرون في القرآن وصفوا بـ "صم بكم عمي" مجازاً لا حقيقة، فهم يملكون أدوات الإدراك لكنهم لا يستخدمونها، فيكونون مكلفين ومحاسبين.
- •حرم الله تعالى كل ما يضر بالعقل كالخمر والمخدرات، وحرم وسائل الكسب المحرمة كالسرقة والرشوة.
- •يشمل التحريم: الضار، والمسكر، والمستقذر، والنجس، والمحترم كالإنسان.
- •ما يمن الله به علينا من الرزق الطيب مباح ويستوجب الشكر والحمد.
تلاوة آية من سورة البقرة في وصف حال الكافرين بفقدان الإدراك
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن الكافرين:
﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ ٱلَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَآءً وَنِدَآءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 171]
فإذا فقد الإنسان الإدراك بالعالم المحيط به، فلم يسمع ولم يُبصر ولم يتكلم، فلم يتصل بما حوله؛ فإنه لا يكون قد استكمل العقل الذي هو مناط التكليف.
العقل مناط التكليف وسقوط التكليف عن الصبي والمجنون والنائم
العقل مناط التكليف؛ يعني لا تكليف إلا بعقل. فالصبي الصغير لم يستكمل معلوماته، ولذلك تراه غير مكلف. والمجنون غير مكلف، والنائم غير مكلف.
لماذا؟ لغياب العقل.
مكونات العقل الأربعة التي يتحقق بها التكليف الشرعي
إذن، العقل مكون من أربعة أشياء:
- الدماغ الذي يفكر.
- المعلومات السابقة التي يتعلمها الإنسان ابتداءً من أول لحظة في حياته.
- الحواس التي تنقل له الخبرة والواقع.
- العملية التفكيرية التي يفكر بها، فيرتب أمورًا على أمور، ويستنتج أمورًا من أمور.
وإذا فقد الإنسان شيئًا من هذه الأربعة فإنه لا عقل له.
أثر تعطل الدماغ أو فقدان الحواس على سقوط التكليف الشرعي
فلو حدث عطب وتعطل في الدماغ فهذا آفة في الدماغ وانتهى الأمر؛ فهو لن يعرف كيف يفكر، ولن يعرف كيف يستقبل، ولن يعرف كيف يُرسل، ففي ذلك خلل.
ولو حدث أنه أصمّ وأبكم وأعمى فلن يعرف شيئًا، ولذلك قال [العلماء]: هذا خارج التكليف.
حالة هيلين كيلر وعدم تكليف فاقد الحواس شرعًا رغم إدراكه الجزئي
حتى لو كان لديه كفاءة [جزئية]؛ كانت هناك واحدة اسمها هيلين كيلر أمريكية، واستطاعت أن تدرك العالم الذي حولها. أيضًا هي ليست مكلفة [شرعًا]؛ هذا شيء من عند الله أن يعطيها شيئًا تستطيع أن تعيش به، تأكل به، تشرب به، تنمو به، تتعامل به، لكنها غير مكلفة التكليف الشرعي.
غير المكلف أين يذهب [يوم القيامة]؟ قيل: يذهب إلى الجنة برحمة الله، فيكون في الجنة لأنه غير مكلف.
حكم من لم تصله معلومات عن دين الله ونجاة أهل الفطرة
حسنًا، افترض أنه لم تصله عن طريق هذه الحواس أي معلومات عن دين الله؛ قيل: يبقى غير مكلف، لا يكون مكلفًا.
ولذلك أهل الفطرة ناجون عند أهل السنة والجماعة، كذلك أليس كذلك؟ هذه الفطرة أنه لم يبلغه شيئًا ولا يعرف شيئًا.
مسؤولية المسلمين في تبليغ الدين ومحاسبة من بلغته الرسالة فأعرض
إذن يصبح تحديد معنى العقل يُلقي عبئًا على المسلمين أن يبلّغوا دينهم للناس بصورة لافتة للنظر وبصورة صادقة ولافتة للنظر.
يقول لك: حسنًا، لم تصل إليه هذه الصورة اللافتة للنظر؟ قال: انتهى الأمر، إذن يصبح محجوبًا [عن التكليف].
قال: حسنًا، وصلته [الرسالة] وتلاعب بها؟ قال: لا، انتهى الأمر، سيُحاسب. هذا سيُحاسب.
معنى الصمم والبكم والعمى في الآية بين الحقيقة والمجاز
هذا الذي معنا هنا في الآية [الكافر المعاند] سيُحاسب.
لماذا؟ قال: لأن هذا متعمد. هذا ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ﴾ [البقرة: 171]؛ هذه ليست حقيقة، هذا مجاز.
لو كانت حقيقة لكان لا يوجد عقل [فيسقط التكليف] حقيقة. لو كانت مجازًا فإنه لا يملك عقلًا بمعنى أنه ليس لديه حكمة ولا إيمان [فيُحاسب على إعراضه].
الأمر بالأكل من الطيبات وأنواع المحرمات من الأطعمة في الإسلام
قال تعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ [البقرة: 172]
حرّم علينا الخمر، حرّم علينا الخنزير، حرّم علينا الميتة، حرّم علينا ما يُذهب العقل، وحرّم علينا أيضًا السرقة والاغتصاب والرشوة والفساد؛ بما يوجب أن آخذ هذه الأموال وأقتات بها.
يعني التحريم على نوعين: تحريم الطعام الذي أمامك، وتحريم الوسيلة الخاصة بالحصول عليه.
أصناف الطعام المحرم الخمسة من الضار والمسكر والمستقذر والنجس والمحترم
تحريم الطعام الضار والذي يُذهب بالعقل والمسكر أساس التحريم.
قالوا: حسنًا، وهناك شيء آخر محرم؟ قال: المستقذر. فالضار مثل السم والدخان، والمستقذر مثل اللعاب؛ هذا طاهر ولكنه مستقذر فيحرم ازدراؤه. والمسكر مثل الخمر، أو ما يُذهب بالعقل مثل الحشيش والأفيون والمواد المخدرة.
هذه، قال: والمحترم.
ما المحترم هذا؟ قال: يعني لا تأكل إنسانًا؛ لأن الإنسان محترم. ما هو، لا تقول أنه فقط [ذلك]. قال: والنجس.
فالنجس والمستقذر والضار والمسكر والمحترم [هي أصناف المحرمات من الأطعمة].
حرمة أكل لحم الإنسان حيًا وميتًا وبيان معنى المحترم في التحريم
لو لم نقل المحترم واحد يقول:
هل يجوز أكل الإنسان؟ لا، طبعًا لا يجوز أكل الإنسان، لا حيًا ولا ميتًا. وليس كما تفعل أمم كثيرة بأنهم يأكلون الإنسان حيًا وميتًا.
دلالة المنّة الإلهية على الإباحة ووجوب الشكر والحمد لله
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ [البقرة: 172]
و"رزقناكم" هنا يمنّ علينا [الله سبحانه وتعالى].
وعندما يمنّ علينا بشيء، أيصبح مباحًا أم يصبح محرمًا؟ قال: لا، المنّة تقتضي الإباحة، قاعدة هكذا. ما دام يمنّ علينا بحاجة، يقول: ألم أرزقكم الشيء الفلاني؟ فيكون الشيء الفلاني هذا حلالًا.
والمنّة ما دام هو يمنّ علينا، يستوجب منا ماذا؟ الكلمات المفتاحية في الفاتحة لا تنسوها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2]. انظر أول كلمة، تتبعها تجدها موجودة في كل آية، إما تصريحًا وإما ضمنًا.
﴿وَٱشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 172]
انتبهوا إلى الفاتحة التي جمعت كل مقاصد القرآن. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
