سورة البقرة | حـ 197 | آية 177 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 197 | آية 177 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تشرح الآية 177 من سورة البقرة مفهوم البر الحقيقي، الذي لا يتمثل في مجرد استقبال القبلة، بل في الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين.
  • يؤكد النص أن المسلمين حولوا العبادة إلى مجرد عادات شكلية بدلاً من جوهرها، وركزوا على المظاهر دون المضمون.
  • البر الحقيقي يشمل إيتاء المال للمحتاجين من ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وتحرير الرقاب.
  • يتضمن البر أيضاً إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد.
  • فهم السلف الصالح لهذه الآية وتطبيقها أدى إلى تغيير العالم، ولو طبقها المسلمون اليوم لتحسنت أحوالهم.
  • القضية الأساسية تتعلق بالإيمان القلبي وعمارة الدنيا وفعل الخير واحترام الشعائر كعبادة لله لا كمظهر خارجي.
  • الإيمان باليوم الآخر يتحكم في سلوك المؤمن فيقدم على الخير ويحجم عن المنكرات.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

تلاوة آية البر من سورة البقرة وبيان صفات الصادقين المتقين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة مع قوله تعالى:

﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ وَٱلْكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِيِّـنَ وَءَاتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِى ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَـٰهَدُوا وَٱلصَّـٰبِرِينَ فِى ٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177]

لو عاش المسلمون هذه الآية كما عاشها السلف الصالح لتغير حالهم

آية لو أننا عشناها كما عاشها السلف الصالح لملأنا الأرض نورًا كما ملؤوها، ولو أننا فهمناها كما فهمها جيل الصحابة الكرام من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن هذا أبدًا حالنا.

وكأن المسلمين قد فعلوا عكس ذلك [عكس ما أمرت به الآية]؛ فجعلوا البر في تولية الوجوه قبل المشرق والمغرب، ولم يجعلوا البر ما ذكره الله أنه من صفات الصادقين المتقين.

الفرق بين الشعائر والقضية الجوهرية في مفهوم البر

هناك شعائر وهي مهمة: إقام الصلاة، إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والامتناع عن شرب الخمر، وعن أكل الخنزير، وعن الخنا والفاحشة والزنا؛ شعائر ومعالم للحلال والحرام.

وهناك قضية؛ يبقى هناك شعائر وهي مهمة، وقضية وهي المقصود بالذات. والقضية تتعلق أولًا بالقلب من الإيمان بالله واليوم الآخر والوحي والغيبيات التي صدّقنا فيها ربنا، وتتعلق أيضًا بفعل الخير وعمارة الدنيا، وتتعلق أيضًا باحترام تلك الشعائر من حيث إنها عبادة، لا من حيث إنها شكل ومظهر.

ما هي الشعائر؟ لها قسمان: شكل ومنظر، وحقيقة.

ليس البر أن تحولوا العبادة إلى عادة دون أثر في السلوك

ليس البر أن تحوّلوا العبادة والقضية إلى عادة، ليس البر أن تحوّلوا العبادة إلى عادة؛ فتجد الواحد يصلي وبعد أن يصلي يخلف الوعد ويقطع الرحم ويفسد في الأرض، لا ينفع ذلك [أن تصلي ثم تفسد].

﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: 45]

تجده يُظهر الإيمان بالله ويؤمن بهذه القضية، ولكنه لا يساهم في عمران الدنيا.

مراتب التعامل مع الآية من الفهم إلى المعايشة وأثرها في تغيير حال المسلمين

لو أن هذه الآية [آية البر] عاشها المسلمون، ما هو موجود [من المراتب] في أنك فهمتها هذه مرتبة، آمنت بها هذه مرتبة ثانية، امتثلت لها هذه مرتبة ثالثة، عشت فيها هذه مرتبة رابعة.

لو عاشها المسلمون لتغيّر حالهم إلى أحسن حال.

ليس البر يعني ليس هذا [تولية الوجوه] هو المبتدأ، فأين الذي عليه التركيز؟ ليس البر أن تولّوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب وتتحرّوا الإبرة [إبرة البوصلة] وتتخاصموا في المساجد على أنها هكذا أم هكذا [اتجاه القبلة].

الفرق بين الاهتمام الحقيقي بالقبلة والانشغال بها عن العلم والعمارة

أمر يعني أنهم يريدون أن يروا الكعبة. هذا ناتج من الاهتمام بالقضية أم ناتج من أنني لا أجد شيئًا أفعله فبحثت عن شيء يشغل بالي فيه؟ يختلف [الحكم].

إذا كان ناتجًا من اهتمام بالقضية كنت تتعلم علم الجيوديسيا لكي تعرف أين القبلة، وكنت تساهم في حل معادلاتها. أما إذا كان ناتجًا من أنك فارغ فقم واذهب لتحضر بوصلة صُنعت في الصين واستعملها وانظر أين القبلة.

أليس من المخجل أن البوصلة صُنعت في الصين؟ لا أحد يعارض أن يخدم الصيني العمارة، ولكنني أسألك أنت الذي تركت العلم وتركت العمارة واشتغلت بماذا؟ أين القبلة؟

الإيمان بالله واليوم الآخر أساس البر والتحكم في السلوك

﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ﴾ [البقرة: 177]

لأن الإيمان بالله يدلّك على بداية صحيحة، ولأنه هو القضية. واليوم الآخر لأن اليوم الآخر يتحكم في سلوكك في هذه الحياة الدنيا؛ تُقدِم على الخيرات وتُحجِم عن المنكرات.

ما الذي يتحكم في الإقدام والإحجام؟ الإيمان باليوم الآخر مع الإيمان بالله. والملائكة والكتب: التكليف الذي نقيمه في الدنيا. والنبيين: الموصلين لهذه الكتب.

إيتاء المال على حبه وأصناف المستحقين وتحرير الرقاب والوفاء بالعهد

آمنّا بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين، في عمل وعمل متعدٍّ إلى الغير في نفعه.

وآتى المال على حبه: تحب المال أنت كثيرًا، تحب الخير الذي هو المال هذا هو حبًّا جمًّا. لذوي القربى: تعطي قريبك، أنت غني أعطِ الفقير. واليتامى: اليتيم هذا يحتاج حنانًا ويحتاج إنفاقًا في غالب الأحيان؛ أحيانًا يكون عنده مال وأحيانًا لا يكون عنده مال. والمساكين وابن السبيل والسائلين: كله في خدمة اجتماعية، في تكافل اجتماعي، في أمان اجتماعي.

وفي الرقاب: حرّر العبيد، لا يريد [الإسلام] عبيدًا، هو لا يريد لذلك [شرع تحرير الرقاب].

وأقام الصلاة وآتى الزكاة، والأخلاق إذن: والموفون بعهدهم إذا عاهدوا. إذا أردنا تفسير هذه الآية نقعد فيها سنين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.