سورة البقرة | حـ 199 | آية 178 : 179 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 199 | آية 178 : 179 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

7 دقائق
  • خطاب القرآن بعبارة "يا أيها الذين آمنوا" خاص بالمؤمنين لصلاح حالهم، أما "يا أيها الناس" فخطاب للجميع.
  • القصاص في القتلى يعد رادعاً وقائياً يمنع الجريمة قبل وقوعها عندما يدرك الإنسان شدة العقوبة.
  • بعض الناس يدّعون أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يزيد عدد الجرائم، لكن هذا خداع إحصائي لا يقارن العدد الحقيقي للجرائم.
  • القصاص نظام متكامل يختلف عن الإعدام، فهو يتضمن خيارات ثلاثة: القتل، أو العفو المجاني، أو الدية.
  • في حالة الدية يجب أداؤها بإحسان دون مماطلة، وهذا تخفيف ورحمة من الله.
  • القصاص رحمة تتيح للمخطئ التوبة، لكن مع تحذير من المعاودة.
  • قال تعالى: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون"، وهي آية تحتاج إلى دراسة مستقلة لما فيها من إعجاز.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة في خطاب المؤمنين والفرق بينه وبين خطاب الناس عامة

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: 178]

هذا خطاب خاص بالمؤمنين؛ يصلح حالهم، ويوحد قلوبهم، وييسر عملهم، وييسر التكليف عليهم. وهكذا ما دام قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

لما يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإن هذا المعنى لا بد لجميع الناس، مؤمنين وغير مؤمنين، أن يأخذوا به؛ وإلا فإنهم يكونون مفسدين في الأرض.

القصاص رادع وقائي يمنع جريمة القتل قبل وقوعها

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، فالقصاص رادع يمنع الجريمة قبل وقوعها، يسمونه الردع الوقائي.

سبحان الله، عندما يعرف الإنسان أن هذه الجريمة عقوبتها لا تمر بسهولة هكذا؛ فإنه يرتدع. ولذلك كانت عملية القتل عملية صعبة على النفس، وعملية العدوان على الجسد أيضًا عملية صعبة على النفس؛ فالقصاص في القتلى يردع هذه الجريمة.

الرد على من يزعم أن إلغاء عقوبة الإعدام لا يؤثر في عدد الجرائم

الآن بعض الناس خرج وقال: لا، هذا [القصاص] لا يردع الجريمة ولا شيء. كيف [استدلوا على ذلك]؟ قال: ألغوا هكذا عقوبة الإعدام، ستجدون عدد القتلى واحدًا؛ عدد القتلى ما زالوا هم أنفسهم، عدد القتلى الذين كانوا موجودين عندما كان هناك إعدام. إذن وجود الإعدام مثل عدم وجوده، وجود القصاص مثل عدمه.

قلنا لهم في أمرين: إن هذا اسمه خداع الإحصاء؛ لها خداع هكذا، أي في أرقام، وهذه الأرقام لا تعطي الحقيقة.

كشف خداع الإحصاء في المقارنة بين أعداد القتلى والمحكوم عليهم

أنه يوجد في شعب خمسون مليونًا، في قتلٍ، في قتل ثلاثة آلاف. القتل الثلاثة آلاف هؤلاء ذهب القاضي فأعدم مائة فقط، والباقي لم يحكم عليهم مثلًا.

حسنًا، وبعد ذلك لما توقفنا عن الإعدام ارتفع عدد القتلى إلى أربعة آلاف، والقاضي حكم من الأربعة آلاف على مائة فقط بعقوبة طويلة تساوي عقوبة الإعدام، تعني السجن مدى الحياة، السجن كذلك.

ويقول لك: هذه المائة مثل هذه المائة. أفهذا كلام؟ هذه المائة مثل هذه المائة، أهذه مقارنة؟ هذه هي المائة التي حكم فيها القاضي [بالإعدام]، وهذه المائة التي حكم فيها القاضي [بالسجن]، ولكن عدد القتلى كم، وليس عدد المحكوم عليهم كم. يلعبون بهذه الأرقام.

الفرق بين القصاص الإلهي والإعدام ونظام العفو والدية في الإسلام

رقم واحد [خداع الإحصاء]، رقم اثنان: القصاص غير الإعدام. القصاص الذي من عند الله له نظام.

ما هذا النظام؟ قال لك: ولي المقتول — أبوه وأخوه وهكذا إلى آخره — أولياء المقتول لهم العفو مجانًا؛ يقولون: انتهى الأمر، نحن عفونا عن القاتل لوجه الله.

وهذا ماذا يفعل؟ نعم، هذا القاتل لا يعرف كيف يقول لهم: هذا أنتم أحييتموني، أنا آسف لأنني قتلت ابنكم. أحيانًا الولد المقتول هذا يستحق القتل وهم يعرفون ذلك؛ يقول له: الحمد لله، لقد مات وانتهى الأمر. فالمعاني تبدأ تعود إلى الناس مرة أخرى.

خيار الدية كبديل عن القصاص وأثره في رعاية أبناء المقتول

أو إن لم يكن كذلك [العفو المجاني]، في قبل الدية؛ فيدفع الدية. وهذه [الدية] لأبنائه ووالديه، مبلغًا كبيرًا — مائة جمل — كي يستفيد الأولاد من هذه الثروة عوضًا لأبيهم الذي توفي.

أو يصمموا على القتل [القصاص]، فيكون القصاص نظامًا وليس هو القتل فحسب، بل نظام كامل. إذا أردتم أن تدرسوه فلا تقارنوه بالإعدام فقط؛ قارنوه بالدية والعفو.

هذا نظام متكامل يشتمل على القتل [القصاص]، ويشتمل على الدية، ويشتمل على العفو، وكل واحدة من هذه لها أثرها في المسألة.

تفسير آية القصاص وأحكام العفو والدية وأداؤها بإحسان

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ٱلْحُرُّ بِٱلْحُرِّ وَٱلْعَبْدُ بِٱلْعَبْدِ وَٱلْأُنثَىٰ بِٱلْأُنثَىٰ فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ فَٱتِّبَاعٌ بِٱلْمَعْرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَـٰنٍ﴾ [البقرة: 178]

يبقى إذن يمكن أن يكون فيه قصاص بالقتل، ويمكن أن يكون فيه قصاص بالدية. وإذا كان في ذمتك الدية يجب أن تؤدى بإحسان ولا تماطل بعد أن خرجت وتلعب.

﴿ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178]

أنه [سبحانه] لم يحتم عليكم القتل، وأتاح للإنسان المخطئ أن يتوب.

التحذير من الاعتداء بعد العفو وإعجاز آية القصاص حياة

﴿فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: 178]

بشرط ألا يكون ذلك [العفو] ديدنه، ويفرح بالخروج من المأزق ويذهب ليعتدي اعتداءً جديدًا؛ فيضيف إثمًا على إثم.

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]

هذه آية تحتاج إلى أن نفرد لها الكلام وحدها؛ لما اشتملت عليه من إعجاز.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.