سورة البقرة | حـ 201 | آية 179 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تشرح آية "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون" جانباً من إعجاز القرآن اللغوي والبلاغي.
- •تتفوق عبارة "القصاص حياة" على مقولة الجاهلية "القتل أنفى للقتل" من عدة أوجه: أوجز لفظاً، وأدق معنىً، وأجمل صوتاً.
- •القصاص أشمل من القتل، فهو يتضمن الجروح أيضاً، ويتيح خيارات العفو والدية.
- •يحمل القصاص جانبين للتقوى: ردع المجرمين ابتداءً، وإقامة العدل بعد الجريمة.
- •خاطب الله أصحاب الألباب وليس العقول، واللب أعمق من العقل.
- •لم يستخدم القرآن كلمة "عقل" كاسم بل كفعل "يعقلون"، لأن العقل عملية وليس جامداً.
- •اللب يجمع بين التفكير العقلي والشعور القلبي، فهو تفكير خاضع للإيمان والمعاني السامية.
- •المنهج الصحيح يجعل القلب فوق العقل والعقل فوق النشاط، فيُنتج عملاً مرضياً لله.
- •أولو الألباب هم الذين يجمعون بين صفاء القلب وصحة التفكير.
مقدمة الحلقة وتلاوة آية القصاص من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، مع قوله تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]
بيّنا في حلقة سابقة كيف أن هذه الآية تشتمل على مبدأ قرآني مهم، وهو أن القصاص حياة.
تفوق التعبير القرآني على كلام البشر في وصف القصاص
وكيف أن هذه العبارة [القصاص حياة] قد فاقت كل كلام البشر؛ فعندما قارنوها يبتغون بذلك أن يُعلوا كلامًا للبشر فوق كلام الله، فإذا بكلام الله يفوق كلام البشر.
[قالوا:] "القتل أنفى للقتل"، وادّعوا أن "القتل أنفى للقتل" ثلاث كلمات، وفي الحقيقة هي أربع؛ "القتل أنفى" — لماذا؟ ما هو اللام هذه أيضًا حرف وكلمة "القتل"، فهي أربعة [كلمات].
المقارنة التفصيلية بين عبارة القصاص حياة والقتل أنفى للقتل
أما هذه [العبارة القرآنية] في جهة المقارنة؛ فـ"القصاص حياة" كلمتان، و"القتل أنفى للقتل" خطأ [في عدّها ثلاثًا]، و"القصاص الحياة" صحيح [أنها أوجز].
و"القتل أنفى للقتل" تكررت فيها كلمة "قتل"، و"القصاص حياة" لم تتكرر. و"القتل أنفى للقتل" ثقيلة على السمع، و"القصاص حياة" بدأت بالقوة وانتهت باللطف في كلمة الحاء والياء والألف والهاء من "حياة"؛ فيها لطف وتخفيف لهذا القصاص.
شمولية معنى القصاص مقارنة بمحدودية عبارة القتل أنفى للقتل
و"القتل" مسألة فردية — قتل، ولكن هذا [القصاص] مسألة تشتمل على العفو أو الدية أو القتل.
وهذا المعنى — "القصاص حياة" — لا يقف عند القتل؛ فالقصاص في الجروح، والجروح قصاص، ولكن "القتل أنفى للقتل" يشتمل على منحى واحد فقط وهو القتل.
فالحمد لله الذي شرح صدورنا لفهم كتابه.
دعوة آية القصاص إلى التقوى بالردع عن الجريمة وإقامة العدل
"القصاص حياة" وهي كلمة صادقة؛ لأنها تدعو المؤمنين إلى تقوى الله، إما بأن يُحجموا عن الجريمة، وإما بأن يحكموا بالعدل بعد وقوعها.
يبقى فيها جانبان — "لعلكم تتقون":
- الجانب الأول: أنها رادعة عن فعل الجريمة، والرادع عن فعل الجريمة تقوى ووقاية من الجريمة ووقوعها وفسادها.
- الجانب الثاني: "لعلكم تتقون" بإقامة القصاص الذي فيه ويشتمل على العدل بين الناس؛ فلا تذهب الدماء هدرًا.
وجوب تدبر القرآن ومعنى أولي الألباب والفرق بين العقل واللب
إذن فيجب علينا أن نتدبر القرآن كما أمرنا ربنا:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
"يا أولي الألباب" — واللُّب هو العقل، فهو يخاطب العقلاء.
لم يستعمل القرآن أبدًا كلمة "عقل" [كاسم]، وإنما استعمل الفعل: "يعقلون" و"تعقلون". والعقل سُمّي عقلًا لأنه يعقل الإنسان ويمنعه ويقيّده من شهواته؛ فالعقل هو عملية منع.
تسمية العقل بالمصدر ومعنى اللب الجامع بين التفكير والشعور
سُمّي هذا الشيء [العقل] باسم المصدر — بالمصدر يعني نفسه بالكلمة التي هي مصدر: عَقَلَ يَعقِلُ عَقلًا، فأصبح العقل هنا "عقل"، يعني إما فهم وإما معناها منع؛ عَقَلَ الدابة يعني قيّدها، فالعقل يُقيّد.
لكن اللُّب يُطلق ويُراد منه ذلك الفهم الذي يقوم به العقل، وذلك الشعور الذي يقوم به القلب. فربنا لم يستعمل كلمة "عقل" هكذا أبدًا، وإنما [قال:] "يا أولي الألباب".
لماذا قال [ذلك]؟ لا بد أن يعلو القلبُ التعقلَ والعقلَ؛ هذا القلب فوق العقل، والعقل فوق النشاط والسلوك والحراك — أفعال الجوارح.
ترتيب القلب فوق العقل فوق النشاط وخطورة عكس هذا الترتيب
بعضهم عكس فجعل النشاط قبل العقل، والعقل قبل القلب، وأسكت القلب فمات.
نحن لا، نحن نجعل القلب فوق العقل، والعقل فوق النشاط. فلمّا نأتي لننشط [ونعمل] سنعمل شيئًا — قُم نفكّر، ولمّا نأتي نفكّر — قُم نستشير قلبنا: هل هو مطمئن أم لا؟
فنجعل الاطمئنان هو الحاكم، هو الأعلى، وانشراح الصدر هو الحاكم وهو الأعلى. ثم هذا الكلام فعلًا هو كلام عاقل وفكر مستنير، فيأتي النشاط وقد صدر تحت العقل، والعقل تحت القلب — نشاطًا مقبولًا، نشاطًا يرضى عنه الله.
خطورة تقديم النشاط على التعقل وإسكات القلب عن الحق
لمّا يتسارع الناس في النشاط قبل التعقل، ويجعلون العقل دائمًا يعلو على قلبهم فيُسكتونه — "اسكت أنت، حرام!" لا، هكذا قلبي غير مطمئن، يقول: "اسكت، مصلحتي!"
فالعقل يصمت أحيانًا، أما القلب فيظل يصمت ويصمت حتى ينفجر.
معنى اللب الجامع بين التفكير والإيمان ونداء الله لأولي الألباب
فربنا ناداهم بهذا الترتيب: أن القلب فوق، ثم العقل، والعقل مهم أيضًا. لا مانع، قُم اختر كلمة تدل على الاثنين معًا، وهي: "يا أولي الألباب".
فـاللُّب ليس هو محض التفكير؛ اللُّب هو ذلك التفكير الخاضع للإيمان والشعور والحب والمعاني السامية — هو ذلك اللُّب. فسُمّي القلب لُبًّا، وسُمّي العقل لُبًّا.
فاللهم اجعلنا من أولي الألباب. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
