سورة البقرة | حـ 206 | آية 183 : 184 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الصيام فرض واجب في الإسلام ومن أركانه الخمسة، مشروط بالإسلام والبلوغ والعقل، ويؤديه الذكر والأنثى والغني والفقير.
- •غاية الصيام تحقيق التقوى، وهو عبادة قاصرة على النفس لا يتعدى نفعها للغير، كما فُرض على الأمم السابقة.
- •الصيام مفروض أياماً معدودات ولم يُفرض الدهر كله، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما صام من صام الدهر كله".
- •قد يُشرع الصيام لأغراض أخرى كالحمية الصحية أو كسر الشهوة للشباب غير القادرين على الزواج.
- •من رحمة الله تخفيفه على المريض والمسافر بإباحة الفطر مع القضاء لاحقاً، وبعض الأمراض كالسكري يحرم معها الصوم.
- •ذُكر نموذج الإمام النووي الذي كان يصوم الدهر ولم يتزوج، وكان تقياً ورعاً عالماً، ونفع الله به المسلمين.
- •معنى العبادة أن نتبع أوامر الله كما يريد لا كما نريد، فنصوم عندما يأمرنا ونفطر عندما يأذن لنا.
مقدمة الدرس واستكمال تدبر سورة البقرة وطلب الهداية من كتاب الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، نستمر في طلب الهداية من كتاب ربنا. يقول سبحانه:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: 183]
وما دام قد بدأنا بلفظ الإيمان، فإن الإيمان وهو مرادف في الخارج، في الماصدق [أي كل من ينطبق عليه لفظ مؤمن] للإسلام، يكون شرطًا فيما سوف يخاطبنا فيه [من أحكام الصيام].
فرضية الصيام وكونه ركنًا من أركان الإسلام الخمسة
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]
وقلنا من قبل أن كلمة "كُتِبَ عليكم" تعني فُرِضَ عليكم، فهو واجب. والصيام ركن من أركان الدين؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإسلامُ على خمس»
وعدّ منها صوم رمضان.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]
شروط وجوب صيام رمضان من الإسلام والبلوغ والعقل
فصيام رمضان يُشترط فيه الإسلام، ومن شروط التكليف البلوغ، لكنه يصومه الذكر والأنثى، ويصومه الحر والعبد عندما كان هناك عبيد، ويصومه القوي والضعيف والغني والفقير، يصومه الجميع.
ولكن يُشترط فيه البلوغ والإسلام والعقل؛ حتى يدخل الإنسان في دائرة التكليف في هذا [الفرض].
الصيام فريضة وردت في جميع الأديان السماوية السابقة كما ورد في القرآن
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ﴾ [البقرة: 183]
ويريد الله أن يبين لنا أن الصوم والصيام قد ورد في كل دين، وأن الصلاة والزكاة قد وردتا في كل دين، وأن الحج قد ورد في كل دين. ولذلك فهذه مع الشهادتين خمسة قد وردت في كل دين.
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]
فهدف الصيام التقوى.
وسائل التقوى بين فعل الخير المتعدي والعبادة القاصرة على النفس
وفعل الخير المتعدي [أي الذي ينفع الغير] من كتابة الوصية تقوى حقًا على المتقين. والصيام وهو قاصر على الإنسان لا يتعدى إلى غيره، تقوى [أيضًا].
إذن فوسائل التقوى والطريق إلى التقوى كثيرة؛ منها ما هو قاصر على الإنسان [كالصيام]، ومنها ما يتعدى خيره إلى غيره [كالصدقة والوصية].
رحمة الله في تحديد أيام الصيام المعدودات والنهي عن صوم الدهر
أيامًا معدودات، وليست أيامًا كثيرة؛ لم يفرض علينا الصوم الدهر كله. حتى قال رسول الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ما صامَ مَن صامَ الدهرَ كلَّه أبدًا»
إلا إذا كان الصوم لغرض؛ فقد يكون لغرض الحمية، أي وقاية الجسم من بعض الأمراض. وقد يكون الصوم لكسر الشهوة، [كما جاء في الحديث]:
قال رسول الله ﷺ: «يا معشرَ الشبابِ، مَنِ استطاعَ منكم الباءةَ فليتزوَّجْ، ومَن لم يستطعْ فعليه بالصومِ فإنَّ الصومَ له وِجاءٌ»
الإمام النووي نموذج لمن فضّل العلم على الزواج واستعان بالصيام
ولذلك نرى أن من فضّل العلم على الزواج من العلماء العزّاب الذين فضّلوا العلم على الزواج، كالإمام النووي، كان يصوم الدهر وهو يعلم الأحكام.
ولكن هذا صيام غير الصيام الذي يكون فيه الإنسان متزوجًا. [فالحديث] «ما صامَ مَن صامَ الدهرَ كلَّه» [محمول على أوجه]؛ لذلك الإمام النووي يقول لك فيها اثني عشر قولًا عند العلماء.
عبادة الإمام النووي وزهده ونفعه للمسلمين بتأليف رياض الصالحين
كان الإمام النووي رحمه الله تعالى، وهو عمدة الشافعية، كان يعبد الله كثيرًا بالصيام، وكان يأكل من طعام يرسله إليه أبوه وأمه في نوى [بلدته قرب دمشق]، وظل هكذا.
فنفع الله المسلمين به إلى يومنا هذا، وهو مؤلف رياض الصالحين. ورياض الصالحين عليه أنوار تتلألأ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن اختيار الإمام النووي؛ بما يثبت أن رجلًا واحدًا قد وضع الله نوره في قلبه ينفع الناس بهذه الطريقة تلك الأيام الطويلة والقرون المتطاولة.
شهادة العلماء للإمام النووي بالتقوى والورع وبركة قبره في نوى
والجميع يتفقون على أنه [الإمام النووي] كان تقيًّا نقيًّا ورعًا عالمًا مفيدًا، وكل ذلك من بركة الصيام.
حتى أن بعضهم قال: لقد لقيتِ خيرًا يا نوى، ووُقيتِ من ألم النوى، فلقد نشأ بكِ عالمٌ لله أخلصَ ما نوى، وعلى عُلاه وفضله فضلُ الحبوب على النوى. يعني كأنه [الإمام النووي] هو تمرًا والباقي نوى.
وقبره معروف في نوى، وهي على بُعد ستين كيلومترًا من دمشق. ففيه من الآيات والأنوار أن الله قد أنبت شجرة من قلبه في القبر؛ هكذا تدخل فتجد شجرة نابتة هكذا من موضع قلبه. فالحمد لله رب العالمين.
رحمة الله بالمريض والمسافر في رخصة الإفطار في رمضان
أيامًا معدودات، يعني فيها رحمة، فيها رأفة.
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]
أيضًا فيها رحمة؛ المريض والمسافر [لهم رخصة الإفطار]. المسافر فيه مشقة، وصوم المريض فيه مشقة. وبعض المرض يحرم على الإنسان الصوم، مثل السكري هكذا عندما يزيد يحرم عليك [أن] تصوم.
حكم من صام وهو مريض يحرم عليه الصوم بين الغزالي وبقية الأئمة
حتى قال الإمام الغزالي: فلو صام [المريض الذي يحرم عليه الصوم] فمات، مات غير صائم. نعم، هو ممتنع عن الأكل والشرب، نعم.
طيب، وبقية الأئمة قالوا ماذا؟ قالوا: مات عاصيًا لكن صائم. يعني هو صائم لكن عاصٍ [لأنه خالف الأمر بالإفطار].
لكن الآخر [الإمام الغزالي] قال: كيف الصيام يكون حرامًا عليه ويصوم؟ هذا ليس صائمًا. هذا فإما أن يكون غير صائم مع الحرمة، وإما أن يكون صائمًا مع الحرمة أيضًا.
معنى العبادة الحقيقية أن نصوم ونفطر كما يريد الله سبحانه وتعالى
إذ هذه رحمة أن يفرض الله عليك فرضًا أن تُفطر. وهذا هو معنى العبادة؛ أننا نُفطر عندما يريد سبحانه، ونصوم عندما يريد سبحانه.
أي نعبد الله كما يريد، لا كما نريد.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
