سورة البقرة | حـ 207 | آية 184 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تناول الله سبحانه أحكام الصيام في سورة البقرة بتفصيل لم يخص به العبادات الأخرى كالصلاة والزكاة والحج.
- •سبب هذا التفصيل أن الصوم سر بين العبد وربه كما ورد في الحديث القدسي "الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
- •قوله تعالى: "وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين" المقصود بها من لا يستطيعون الصيام كالشيخ الهرم والمريض المزمن.
- •كلمة "يطيقونه" إما من باب حذف النافي أو من الأضداد التي تحمل معنيين متضادين.
- •المريض والمسافر يقضيان بعد زوال العذر، أما من لا يطيق الصوم فيخرج فدية إطعام مسكين.
- •"وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون" استدل بها الإمام الشافعي على أفضلية الصيام للمسافر القادر عليه.
- •للصائمين باب في الجنة يسمى الريان، والصيام يكفر الذنوب وينور القلوب ويستر العيوب.
- •للصائم دعوة مستجابة عند فطره لا ترد.
مقدمة في أحكام الصوم في سورة البقرة وتفصيل الله لها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، والله يرشدنا سبحانه وتعالى فيها لأحكام الصوم ويذكر ذلك تفصيلًا. الله عندما ذكر الصلاة ذكرها إجمالًا، وعندما ذكر الحج أو الزكاة ذكرها إجمالًا، وعندما ذكر الحج ذكر شيئًا من التفصيل، أما عندما ذكر الصيام فذكره تفصيلًا.
فلماذا خصّ الله الصيام بالتفصيل في كتابه؟ قالوا [العلماء]: لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث قدسي يرفعه النبي إلى ربه:
قال الله تعالى: «إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به»
كأن الصوم سرٌّ من الأسرار بين العبد وربه، فلما كان كذلك تولى الله تفصيله في كتابه.
خصوصية الصوم بين العبادات كونه سرًّا بين العبد وربه
الصلاة مرئية عند الجميع، الحج مشاهَد، الزكاة معروفة؛ فالفقير معروف، حتى لو جعلت الزكاة بينك وبينه فقد عرفك أنك تدفع الزكاة وأنك رجل طيب.
ولكن الصوم سرٌّ بينك وبين الله، فلما كان الأمر كذلك أحاطه الله بشيء من الخصوصية، فجعله كله له وحده سبحانه.
تفسير معنى الذين يطيقونه بين حذف النافي والأضداد اللغوية
يقول ربنا:
﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]
قالوا [العلماء]: الذين يطيقونه يعني بحذف النافي: الذين لا يطيقونه. وهذا يتناسب مع قوله [تعالى] في شأن المرض والسفر:
﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184]
يعني الذين لا يطيقونه.
كيف حُذف النافي مع بقاء معناه؟ هذا جائز في اللغة [العربية]. طيب:
﴿تَٱللَّهِ تَفْتَؤُا﴾ [يوسف: 85]
بمعنى: لا تفتأ، يعني لا تزال تذكر يوسف، فهو [أسلوب عربي] يحذف النافي.
شرح الأضداد في اللغة العربية وأمثلة على كلمة عفا وسليم وأطاق
أو تكون كلمة من الأضداد. ما هي الأضداد؟ هذه كلمة سبحان الله يكون لها معنى ومعنى آخر معاكس لها.
مثل عفا: يعني أزال إزالة تامة، أو ترك تركًا تامًا.
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
يعني أزال ما سلف إزالة، نعم تمّ. عفوتُ عنك يعني أزلتُ ما في نفسي منك إزالة تامة.
قال رسول الله ﷺ: «أعفوا اللحى»
يعني اتركوها تركًا تامًا. إذن عفا أحيانًا تصلح للإزالة وأحيانًا تصلح لعكسها، يعني تركها تركًا تامًا.
يقول لك سليم: فمررنا برجل سليم، يعني صحيح. سليم يعني مريض. أطاق يعني تحمّل، أطاق يعني لم يتحمّل.
الفرق بين المريض والمسافر ومن لا يطيق الصوم كالشيخ الهرم والمريض المزمن
يبقى وعلى الذين يطيقونه من غير نفي، غير حذف النافي، يبقى وعلى الذين يطيقونه معناها يعني الذين لا يتحملونه؛ لأن أطاق من الأضداد.
﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184]
فما الفرق بينها وبين المريض والمسافر؟ قال [العلماء]: هذا [المريض] لمّا سيُشفى سيقضي، ولمّا [المسافر] سيرجع سيقضي. وهؤلاء قال لك: لا يتحمله أصلًا كالشيخ الهرم وكالمريض المزمن.
فماذا يفعل؟ قال: يُخرج فدية طعام مسكين عن كل يوم، طعام مسكين.
﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 184]
فأخرج لمسكينين أو ثلاثة أو عشرة فهو خير. والحمد لله نُخرج ونُطعم الفقراء والمساكين طوال السنة وليس في رمضان فقط.
فضل الصيام في السفر واستدلال الإمام الشافعي بآية وأن تصوموا خير لكم
﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]
إن كنتم تستطيعون الصيام فيبقى خيرًا لكم، ألّا تقولوا ابتداءً هكذا: أنا لن أستطيع أن أصوم. ما هو وارد، والله يعفو عنك أيضًا وكل شيء، ولكن على فكرة الصيام أفضل. جرّبوا هكذا تجدوا فيه فوائد جسدية ونفسية إن كنتم تعلمون.
كثير منا لا يعلم بهذه الآية: وأن تصوموا خير لكم. خذ الإمام الشافعي [رحمه الله]: أنّ عندما نكون مسافرين في رمضان وقدرنا على أن نصوم، فهل الصوم أفضل أم التمتع برخصة الله أفضل؟
أبو حنيفة [رحمه الله] يقول لك: التمتع برخصة الله أفضل. الإمام الشافعي يقول لك: لا، بل الصوم أفضل.
لماذا يا فضيلة الإمام؟ قال لك: لأن تصوموا خير لكم، هذه قاعدة عامة. الصوم أفضل في السفر وأحسن في الحضر، أحسن في الإعادة وأحسن في كذا، الصيام حسن.
﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]
فاستدل بها على الخيرية فيما لو قارن الإنسان بينه وبين نفسه في السفر: هل يُفطر أم لا؟ قال: نفحة رمضان لا تُعوَّض يا أخي، هذا هو رمضان لا يُعوَّض. فأنت وأنت مسافر، نعم لك أن تُفطر وكل شيء، ولكن هذا رمضان لا يُعوَّض.
معنى إن كنتم تعلمون وفضائل الصيام العظيمة عند الله تعالى
ولذلك:
﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 184]
إن كنتم تعلمون يعني هو خير لكم عند علمكم. لا، هذا إن كنتم تعلمون هذا معناها يا سبحان الله: لو كنتم تعلمون يا سبحان الله! لو كنتم تعلمون لكنتم فهمتم الكلام حتى من غير كلام.
لو كنتم تعلمون ما في هذا الصيام من فضل عند الله، وأن للصائمين بابًا يُقال له الريّان لا يدخله إلا الصائمون، وأن هذا الصيام يُكفّر الذنوب ويُنوّر القلوب ويستر العيوب، وأنه سبب لاستجابة الدعاء؛ فإن للصائم دعوة عند فطره لا تُردّ.
وعلى ذلك فإن الصوم خير كله، والحمد لله رب العالمين. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
