سورة البقرة | حـ 210 | آية 185 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 210 | آية 185 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تقرر الآية الكريمة "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" مبدأً أساسياً بُنيت عليه الشريعة الإسلامية كلها.
  • المشقة تجلب التيسير، وإذا تردد الأمر بين يسر وعسر قُدِّم اليسر، ومن مظاهر ذلك وجود البدائل في العبادات والكفارات.
  • بعض البدائل تكون على التخيير وبعضها على الترتيب، فقد تختار من بين عدة خيارات أو تنتقل من خيار لآخر وفق ترتيب محدد.
  • يمثل الإفطار في رمضان للمريض والمسافر نموذجاً للتيسير، إذ يجوز الإفطار مع القضاء أو الفدية.
  • المبدأ يمتد ليشمل الطريق إلى الله، ويُقاس قبول الطريق بمعيارين: القرب من السنة النبوية، واليسر في التطبيق.
  • الذكر والأوراد الميسرة أفضل من التكاليف الشاقة، فالقلب مع القليل الميسر.
  • يصلح هذا المبدأ في كل مجالات الحياة: العبادة، المعاملات، التربية، التعليم، وإكمال الأعمال دون ملل.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مبدأ التيسير القرآني المستنبط من آية الصيام في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، في قوله تعالى:

﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَـٰتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]

فقرَّر [الله تعالى في هذه الآية] مبدأً قرآنيًّا هامًّا، هذا المبدأ المهم بُنيت عليه الشريعة كلها:

﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]

ما خُيِّر [رسول الله ﷺ] بين أمرين إلا اختار أيسرهما.

قاعدة المشقة تجلب التيسير وبناء الشريعة على أساس اليسر

والقاعدة المقررة التي بُنيت عليها مسائل فقهية لا تنحصر في باب ولا في كتاب: المشقة تجلب التيسير. وإذا تردَّد الأمر بين يسر وعسر قُدِّم اليسر.

بُنيت الشريعة كلها على هذا الأساس، ومن أجل ذلك كان هناك البدل [في الأحكام الشرعية]؛ ففي الكفارات إن لم نستطع أن نحرِّر رقبة لأننا فقدناها -والحمد لله رب العالمين أُلغي الرق- فعلينا أن نُطعم المسكين.

وإذا لم نستطع أن نُطعم المسكين لفقدان المساكين أو لعدم احتياجهم إلى الطعام، فإننا نكسوهم. هذا بدل هذا؛ في بعضه يكون على التخيير وبعضه يكون على الترتيب.

نظام الترتيب والتخيير في البدائل الشرعية وتيسير الله على العباد

فإن فقدنا ذلك [الإطعام والكسوة] لجأنا إلى الصيام، وهذا مرتَّب؛ لا بد أن نبدأ بهذا مخيَّرين ثم ننتقل بهذا مرتَّبين، أي نقدِّم الفئة الأولى على الفئة الثانية، وفي الفئة الأولى نختار هذا أو هذا أو هذا مثلًا.

إذن هناك نظرية، هذه النظرية يعلِّمنا إياها ربنا وهي: إن مع العسر دائمًا يوجد تيسير. وإذا ضاق بك الأمر من جهتين كالتكليف بالصوم والمرض، أو التكليف بالصوم والسفر، أو التكليف بالصوم والحرب، أو التكليف بالصوم وهكذا، إذا اشتدَّ عليك الحال جاز لك الإفطار.

التعويض عن الإفطار بالقضاء أو الفدية ورحمة الشريعة بالمكلفين

وتعوِّض إما بـالقضاء مرة أخرى، وإما بدفع الفدية، وإما بسقوط ذلك كله إن لم تستطع.

أيكون هذا دينَ إصرٍ وأغلالٍ أم رحمةً وتيسيرًا؟ إنها رحمة وتيسير.

فيكون إذن من قواعد التشريع ومبادئ الحكم بين الناس، ومبادئ السياسة والعلاقات الدولية والقانون الذي يسري في الحياة، أن التيسير هو الأصل، وأن العسر إذا اشتدَّ انفرج. واشتدِّي أزمةُ تنفرجِ.

إذن هذا هو معنى المبدأ [مبدأ التيسير في الشريعة الإسلامية].

معيار التقويم بين الطرق إلى الله والقرب من السنة النبوية

في الطريق إلى الله، إن كان هناك طريق إلى الله يرسم لنا برنامجًا يوميًّا للعبادة وللذكر وللتلاوة وللدعاء وللخلوة مع النفس وللتوبة وما إلى ذلك، وهناك طريق آخر.

ويأتي الناس يسألون: كيف نفرِّق بين الطريقين؟ كيف نقوِّم أحد الطريقين؟ ما المعيار الذي أقوِّم به الطريق؟ فقال العلماء: المعيار مكوَّن من أمرين:

الأمر الأول: قرب هذا الطريق أو بعده عن هيئة السنة النبوية المشرفة. تجد في طريقٍ متمسِّكًا بمنهج السنة وسمتها وظاهرها وأوامرها ونواهيها ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في الحياة، وآخر يريد الغايات من غير هذه الأشكال.

الجمع بين الشكل والمضمون في اتباع السنة والقرب منها

فلنأخذ الجوهر، ولنأخذ الشكل والمضمون معًا؛ فهو أفضل من المضمون وحده. فتكون مسألة القرب أو البعد -انظروا ماذا يقول [العلماء]-: ليس المخالفة للسنة، بل القرب من السنة والبعد عنها، غير اتباع السنة والمخالفة لها.

المخالفة [للسنة] يرفضها [العلماء]، وهذا مرفوض والعياذ بالله، ويكون خارجًا عن حدِّ القبول. لكن هذا [الطريق الثاني] ليس يرفضها، بل يتغيَّا أهدافها دون التزام بأشكالها، وهذا [الطريق الأول] يتغيَّا أهدافها مع التزام أشكالها. قال [العلماء]: فيكون هذا [الملتزم بالشكل والمضمون] أولى.

المعيار الثاني للتقويم بين الطرق هو اليسر والعسر

الأمر الثاني: العسر واليسر؛ لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما. فلننظر: هل هذا الطريق ميسَّر أم يكلِّفك ما لا تطيق؟

ويقول لك: تذكر الله في اليوم عشرين ساعة، حسنًا وماذا بعد؟ وتضع سبحة كبيرة في رقبتك لكي تُذِلَّ وترهق نفسك، حسنًا وماذا بعد؟ وتُهين نفسك أمام الناس، حسنًا ولكن الناس لا تطيق هذا.

وإذا استطاع اثنان أو ثلاثة فالباقي لا يستطيع. إذن الدين الذي للناس جميعًا ولكل الخلق ليس هكذا؛ ما كان فيه يسرٌ.

يسر الأذكار اليومية ونور القلب مع القليل من العبادة

يقول لك [هذا الطريق الميسَّر]: استغفر ربنا مائة مرة، المائة مرة تعملها على السبحة هكذا فتستغرق حوالي ثلاث دقائق أو أقل من دقيقتين. وصلِّ على النبي مائة مرة فتجدها أيضًا تستغرق دقيقتين مثلها. وقل لا إله إلا الله مائة مرة، فهذه أيضًا ست دقائق وليست ست ساعات، سهلٌ ويسير.

فما رأيك؟ ينوِّر الله عليك، القلب [ينير] مع القليل.

هذا هو، إذا كان التيسير معيارًا للقبول والرد، نعم. وهكذا أبدًا دائمًا مبدأ:

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]

حقيقةً ومبدأً ومنطلقًا.

شمولية مبدأ التيسير في جميع مجالات الحياة والدين والدنيا

ليس في القانون فقط، وليس في التربية مع الأولاد فقط، بل حتى في الطريق إلى الله، وحتى في معاملة الأحداث الكونية التي حولنا.

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]

ما رأيك أنها جاءت في سياق الصيام؟ كونها مبدأً يجعلك تفصلها هكذا وتكتبها في لوحة وتكون أمامك في كل شيء:

  • تكون أمامك في الصلاة.
  • تكون أمامك في الصيام.
  • تكون أمامك في العبادة.
  • وأمامك في المعاملات.
  • تكون أمامك في الدين وأمامك في الدنيا.
  • تكون أمامك في الاختيار وتكون أمامك في القرار.

وهكذا، هذا هو معنى المبدأ.

معنى المبدأ القرآني وصلاحيته لكل المجالات وإكمال العدة

ما معنى المبدأ؟ يعني أنه يصلح في كل المجالات.

﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]

ولتكملوا العدة يعني أكملوا الثلاثين يومًا أو التسعة والعشرين يومًا، أكملوهم، أي لا تملُّوا من العبادة ولا تضجروا من العبادة. هذه التي هي أيضًا المبدأ نفسه: ولتكملوا العدة.

مبدأ إكمال العدة وتطبيقه في التعليم والحياة العملية

ما رأيك أنه مبدأ في التعليم؟ المرء عندما يأتي ليقرأ كتابًا لا بد أن يكمله، والمرء عندما يدخل في الكلية لا يذهب ويدخل الكلية ثم يقرأ فيها سنتين وبعد ذلك يقول: لا، أنا أريد أن أحوِّل.

ويذهب ليأخذ من هنا سنتين ويخرج منهما ويريد يتحوَّل إلى الكلية الثالثة، الله الله الله! هذا اضطراب في الحياة. أكمل هذه الكلية وبعد ذلك تستطيع أن تدخل الكلية الثانية.

ولتكملوا العدة، اجعل أعمالك كاملة. لتكملوا العدة، هذا أمر غريب جدًّا؛ هي هنا في الثلاثين يومًا أو التسعة والعشرين يومًا، لكن ما رأيك أنها تصلح للحياة؟ انظر إلى القرآن، إنه كتاب هداية.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.