سورة البقرة | حـ 211 | آية 185 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن مبدأ إكمال العدة الوارد في سورة البقرة في سياق الصيام، ويوسع معناه ليشمل منهجاً إسلامياً للحياة.
- •إكمال العدة يعني إتمام الأمور وعدم القفز من عمل إلى آخر قبل إنهائه، فالعجلة تجعل النشاط يسبق الفكر.
- •يمكن تطبيق مبدأ إكمال العدة في كل مجالات الحياة: الصيام، الصلاة، العلم، وغيرها.
- •النص يدعو للتدبر والتفكر قبل النشاط، فالعجلة لا تعمر الأرض على الوجه المطلوب.
- •من نتائج عدم إكمال العدة تصدر الناس لما لا يحسنونه، كمن يفتي في الطب وليس بطبيب، أو في الدين وليس بعالم.
- •إكمال العدة يشمل الصيانة أيضاً، فمن يبني مبنى عليه صيانته، ومن يجهز جيشاً لا يتركه يضعف.
- •من هدي النبي ﷺ أن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل.
- •إكمال العدة مبدأ شامل من مكونات عقل المسلم، وإهماله يفسد الدين والدنيا.
مقدمة الدرس ومبدأ إكمال العدة من سورة البقرة في سياق الصيام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا للإسلام وفهّمنا كتابك يا رحمن.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، ومع هذا المبدأ الذي قرره الله سبحانه وتعالى في سياق الصيام، إلا أنه يصلح للدلالة على منهج إسلامي واضح لحياة الإنسان.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]
معناه أن الإنسان يجب عليه في حياته أن يُتمّ الأمور.
ذم العجلة والقفز بين الأمور قبل إتمامها وأثرها على الإنسان
بعض الناس تحب أن تقفز مثل الجراد، يقفزون من شيء وقبل أن يُتمّوه يقفزون إلى شيء آخر. بعض الناس وهي تسأل، يأتي يسألني هكذا، يسألني السؤال وقبل أن أجيب يسأل سؤالًا آخر! يا الله، أعني ألم تسمعني؟ ألم تسمع؟ لو كنت سمعت لتركتني أكمل الكلام.
العجلة، والعجلة ماذا تفعل في الإنسان؟ تفعل شيئًا قبيحًا قد كان من سمات عصرنا، وهو أن النشاط يسبق الفكر؛ فيبقى ضده.
﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]
قال لك [الله سبحانه وتعالى]: إذا اكملوا العدة هذه.
توسيع مبدأ إكمال العدة من الصيام إلى جميع مناحي الحياة
يعني [هذه الآية] آتية في أي سياق؟ ماذا؟ الصيام. نعم، فلماذا تجعلها في أشياء أخرى؟ ما أنا لم أنكرها في الصيام، بل أنا أضفت إليها؛ فأنا أقول:
﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]
في الصيام، ولتكملوا العدة في الصلاة، ولتكملوا العدة في الحياة، ولتكملوا العدة في العلم، ولتكملوا العدة في وفي وفي وفي...
فهل أنا أضفت أم حذفت؟ أضفت، إذن سليم. فما هو الممنوع؟ أن أقول: لا، ليس لها علاقة بالصيام. نعم [هنا أكون قد] نفيت فردًا من أفرادها.
المعنى الأصلي والمعنى التابع للقرآن الكريم وأهمية التدبر
هذا هو معناها [أي الآية]، وأنقل المعنى إلى شيء آخر تمامًا وأنفي المعنى الأصلي؛ فيكون للقرآن معنى أصلي وله معنى تابع. المعنى الأصلي المستفاد من السياق والسباق ومن دلالات الألفاظ، والمعنى التابع هو الذي إذا ما تدبرت القرآن وجدته ووجدت الكلام يصلح له.
ما هذه الهداية! ما هذا! ربنا لما أنزله [القرآن] قال:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ [محمد: 24]
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
هذا معناه ماذا؟ ﴿أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ يعطيني الدلالة المستقلة، و﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ يجعل القرآن كله كالجملة الواحدة، لا يناقض بعضه بعضًا ولا يكرّ بعضه بعضًا بالبطلان.
الأمر بعدم التعجل وضرورة تقديم الفكر على النشاط في حياة المسلم
ما رأيك! ﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]، هذا وهو يأمرنا بعدم التعجل وبعدم أن يسبق النشاطُ الفكرةَ. ويجب على الإنسان أن يتدبر ويفكر ثم ينشط؛ فيكون نشاطه مبنيًا على فكر مستقيم.
أما النشاط والعجلة، هذه العجلة ليس فيها عمران للأرض على الوجه المطلوب. لا بد للإنسان ألا يتخلى عن إنسانيته، عن آدميته، من كون الله قد خلقه إنسانًا مفكرًا. لا بد أن يتدبر وأن يتفكر وأن يرتب وأن يستقيم في فكره، ثم ينشط بناءً على هذا الفكر.
خطورة العجلة وتصدر غير المؤهلين للإفتاء والعلم قبل إكمال العدة
عدم العجلة هذه عندما افتقدناها وأصبح لدينا عجلة، رأينا أناسًا يتصدرون لغير ما يصلح لهم. والنبي ﷺ حذرنا وقال:
قال رسول الله ﷺ: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله [فانتظروا الساعة]»
فوجدنا الذي يفتي في الطب وهو ليس بطبيب، والذي يفتي في الدين وليس بعالم ولم يتعلم، وتعجّل فقرأ كتابًا هنا وشذرةً هناك، ثم تصدّر للناس قبل أن يُتمّ العدة، قبل أن يُكمل العدة.
حرّم الله على المرأة التي طُلّقت أو التي مات عنها زوجها أن تتزوج في عدتها. سُمّيت عدة لماذا؟ لأنه محظور يجب أن تُكمل العدة؛ العدد يعني عدد الأيام أو عدد الأشياء التي شرعها الله في العلاقة بين الرجل والمرأة طلاقًا أو وفاة.
مبدأ ترك الأمور تأخذ أوقاتها وعدم الاعتراض على قدر الله
سبحان الله! ﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]، لا تستعجلوا، دعوا الأمور تأخذ أوقاتها ولا تعترضوا على الله. وهذا معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.
إذا جلسنا نتأمل ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ وانظروا معنى تمام الأعمال، وننظر أنه لا يجوز لنا أن نبني جيشًا قويًا ثم ندعه [يضعف]، وأن نبني بناءً [ثم نتركه دون صيانة].
مشكلة الصيانة في البناء وتطبيق مبدأ إكمال العدة على المنشآت
يقولون لنا هؤلاء الجماعة عندما يأتون يزوروننا من الغرب: المشكلة الخاصة بكم في الصيانة؛ تبنون المبنى ثم لا تصونونه! نعم، إنه لا يوجد [صيانة]، لا يوجد.
﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]، إن هذا المبنى يجب أن يُصان. نحن بنيناه هذه قضية، وصيانته قضية أخرى.
قال رسول الله ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»
«وكان عمله ﷺ ديمة»
«لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل وتركه»
﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185]، لماذا تقطعون؟
تطبيق مبدأ إكمال العدة على الجيش والمباني والسياسة والأمن القومي
فانظر إلى المبنى وانظر إلى الجيش؛ كما لا يجوز لي أن أترك الجيش وقد جعلته قويًا يضعف، كذلك المبنى. والله لكن المبنى هذا في يعني شيء آخر تمامًا غير الجيش.
هذا الجيش يتعلق بالسياسة ويتعلق بالإنفاق القومي ويتعلق بالأمن القومي، وهنا [المبنى] يتعلق بنظافة البيت وأمن البيت وسلامة المنشأة وكذلك.
إذن يصبح هذا مبدأ، لماذا مبدأ؟ لأنني عرفت أن أستعمله في المبنى، كما عرفت ما أستعمله في العبادة، كما عرفت ما أستعمله في الجيش والسياسة، كما عرفت ما أستعمله [في كل مجال]. إذن هذا مبدأ يكون العقل؛ فيصبح هذا هو العقل المستقيم.
﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185].
إكمال العدة من مكونات عقل المسلم وعدمه يفسد الدين والدنيا معًا
ويبقى إكمال العدة من الدين ومن الإسلام ومن الفكر المستقيم ومن مكونات عقل المسلم.
في حين أن عدم إكمال العدة على العكس من ذلك؛ يبقى لا في تفكير مستقيم ولا في دين ولا في أي شيء. ومن هنا يفسد الدين والدنيا معًا.
القرآن هداية شاملة وليس مجرد أحكام جزئية والدعوة لتدبره
هذا الكتاب الهداية، هذا القرآن ليس يقول ﴿وَلِتُكْمِلُوا ٱلْعِدَّةَ﴾ [البقرة: 185] أي اجعلوها ثلاثين يومًا أو تسعة وعشرين يومًا وانتهى الأمر.
ولذلك بعض الناس لا يستلذّ بالقرآن، ولكن ما رأيك لو فعلت ذلك [أي تدبرت معانيه الواسعة]؟ تستلذّ بالقرآن ويفتح الله عليك.
فاللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
