سورة البقرة | حـ 214 | آية 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 214 | آية 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • فصَّل الله أحكام الصيام في القرآن تفصيلاً دقيقاً لم يفعله مع الصلاة أو الزكاة، لأن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه أحد سوى الله.
  • قال الله في الحديث القدسي: "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
  • في الصلاة قال النبي: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وفي الحج قال: "خذوا عني مناسككم"، أما في الصيام فلم يقل ذلك، إشارة إلى خصوصيته.
  • رفض النبي أي صيام يخالف ما ورد في القرآن، كما رفض صيام أبي إسرائيل بزياداته وتشديداته.
  • قوله تعالى: "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم" له منطوق هو إباحة المعاشرة الزوجية ليلاً، ومفهوم هو تحريمها نهاراً.
  • قوله: "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" يشير إلى أن الود والحب بين الزوجين مستمر ليلاً ونهاراً كاللباس الذي لا يفارق صاحبه.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

تفصيل الله لأحكام الصيام في القرآن دون سائر العبادات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يفصّل الصيام تفصيلًا، ولم يفصّل الله شأن الصلاة، ولم يفصّل أنصبة الزكاة وشروطها، وإنما فصّل الصيام تفصيلًا.

وذلك لأن الصيام سرٌّ بين العبد وربه؛ فكل العبادات يطّلع عليها الناس إلا الصيام فإنه لا يطّلع على حقيقته سوى الله.

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «كلُّ عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» رواه البخاري ومسلم

ومن هنا كان ذلك التفصيل؛ تولّى الله سبحانه وتعالى تفصيل أحكام الصيام ولم يدع منها شيئًا آخر يُسأل عنه في خارج الكتاب.

بيان الصلاة والحج بالسنة النبوية بخلاف الصيام المفصّل في الكتاب

أما الصلاة فقد بيّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:

«صلّوا كما رأيتموني أصلّي» رواه البخاري

فلم تنفكّ سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم عن تشريع الصلاة.

وفي الحج قال:

«خذوا عنّي مناسككم» رواه مسلم

يعني كأنكم لا تعرفون ما المناسك بالضبط، وإن تكلّم الله عنها في الكتاب، ولكنه لم يتكلم عن تفاصيل الحج وواجباته كما فعل في الصيام.

وفي الصيام لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا كما أصوم» أبدًا، بل قال في الصلاة: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، وهنا في الحج قال: «خذوا عنّي مناسككم»، أما في الصيام فلم يقل ذلك أبدًا. وهذا يدل على أن الصيام سرٌّ بين العبد وربه تعالى.

صيام الوصال خاص بالنبي ﷺ وليس للأمة شأن به

تعال الآن في الصيام، يقول ماذا سيدنا رسول الله:

قال النبي ﷺ: «إني لستُ كأحدكم»

كان [النبي ﷺ] يواصل بين الصيام؛ يأتي المغرب فلا يأكل، وينوي صيام الغد، ويبقى من غير أكل. فحاول ذلك الصحابة فلم يستطيعوا، والحكاية ليست بالقوة.

قال النبي ﷺ: «إني لستُ كأحدكم، فإني أبيتُ عند ربي يُطعمني ويسقيني» رواه البخاري ومسلم

يعني هناك ثانية غير الأكل والشرب، في طعام آخر [وهو الطعام الروحاني من الله تعالى]، فليس لكم شأن بي في الصيام، ليس لكم شأن بي. هناك «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» وهنا «خذوا عنّي مناسككم»، حسنًا وفي الصيام قال: لا، ليس لكم شأن بالصيام، هذه خذوا من الكتاب، الصيام الذي في الكتاب هذا هو، أما أنا شيء آخر عليه الصلاة والسلام.

رفض النبي ﷺ لنذر الصيام الخارج عن تفصيل الكتاب وقصة إسرائيل

ورفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أيّ صيام يكون قد خرج عن تفصيل الكتاب؛ فرأى شخصًا قائمًا في الشمس واقفًا، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا إسرائيل. قال: وما شأن إسرائيل؟ قالوا: نذر أن يقوم فلا يجلس، ويصمت فلا يتكلم، ويقف في الشمس فلا يستظلّ، ويصوم فلا يفطر.

قال [النبي ﷺ]: مُروه -أي أعطوه أوامر- فليجلس وليستظلّ وليتكلم وليُتمّ صومه، أي يعمل الصوم الذي في الكتاب. أما هذه الزيادات التي مثل «لن أتكلم» و«لن أعمل» وكذا -وشرع من قبلنا-:

﴿إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]

قال -أي [النبي ﷺ] يريد أن يُفهم من ذلك كيف يعمل- قال له: لا، ليس لك شأن به [أي بهذا النوع من الصيام المقترن بالصمت].

تحديد مفهوم الصيام بما ورد في القرآن والالتزام به دون سواه

الله إذا، هذه -هذا تحديد لمفهوم الصيام الذي ورد في القرآن، والالتزام بما ورد في القرآن دون سواه، عليك بما [جاء في كتاب الله].

وهذا معناه أن الله قد فسّر هذا الكلام تفصيلًا:

﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: 187]

هذا أول حكم: أُحلّ لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، له منطوق وله مفهوم.

المنطوق: جواز معاشرة الرجل لزوجته في ليل رمضان، هذا هو المنطوق.

والمفهوم: حرمة ذلك [أي المعاشرة] في نهار رمضان؛ إنه يعطيك مفهومًا، أي ما معنى أُحلّ لكم ليلة الصيام؟ ما دام أُحلّ ليلة الصيام فإن نهار الصيام غير حلال.

دلالة تخصيص الليل بالإباحة على تحريم المعاشرة في نهار رمضان

معنى ذلك: لماذا الليل تحديدًا؟ أليس أقول لك مباح بالليل معناه أنه ليس مباحًا بالنهار؛ لأنه لو كان مباحًا بالليل والنهار لقال لك: «أُحلّ لكم في شهر رمضان» أي بالليل والنهار.

فتكون هذه الآية لها منطوق ولها مفهوم: منطوقها حلّ المعاشرة بالليل، ومفهومها حرمة المعاشرة بالنهار.

معنى هن لباس لكم وعلاقة الحب الدائم بين الزوجين بأحكام الصيام

﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]

هل هي منفصلة أم متصلة بما سبقها؟ أي أنه يقرّر حقيقة منفصلة: هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ.

وفي هذا لو كانت منفصلة فإنها تعني أن الودّ والحبّ واللطف ليس محصورًا في الليل، بل هو بالليل والنهار. هنّ لباس لكم أي بالليل والنهار، سترٌ وغطاء كما يُقال هكذا، سترٌ وغطاء عليك، وأنتم لباس لهنّ.

يبقى معنى ذلك أن هذا التحريم بالنهار والتحليل بالليل له علاقة بالصوم، ولا علاقة له بما بينك وبين زوجتك من حبٍّ دائم؛ فأنتما كاللابس واللباس لا تفترقان أبدًا.

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.