سورة البقرة | حـ 215 | آية 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتناول الشيخ تفسير قوله تعالى "أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم، هن لباس لكم وأنتم لباس لهن".
- •عبارة "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" قد تكون متصلة بما قبلها، فتؤكد إباحة المعاشرة ليلاً والنهي عنها نهاراً.
- •وقد تكون منفصلة، فتبين أن العلاقة الزوجية قائمة على الود والوئام بشكل دائم رغم منع المعاشرة نهاراً.
- •علماء الوقف والابتداء وضعوا علامة "جيم" عندها، مما يعني جواز الوصل والوقف.
- •يشير إلى سعة القرآن في الفهم مع ضبط ذلك باللغة العربية ومقاصد الشريعة والإجماع والسنة.
- •يفسر قوله تعالى "علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم" بأن الله خفف عن المؤمنين.
- •الوصل في "فالآن باشروهن" يفيد الاستحباب، والوقف يفيد الإباحة.
- •هذا التنوع في المعاني يناسب اختلاف الظروف والأحوال، مما يؤكد أن القرآن تنزيل من رب العالمين.
مقدمة في تفسير آية إباحة الرفث ليلة الصيام من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، حيث يفصّل الله لنا تفصيلًا أحكام الصيام، يقول ربنا:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]
هل كلمة "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن" متصلة بما قبلها أو أنها منفصلة؟
المعنى الأول: اتصال عبارة اللباس بإباحة المعاشرة ليلة الصيام
إذا كانت [عبارة "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"] متصلة بما قبلها فمعناها تأكيد ما أحلّه الله بين الزوجين من معاشرة في ليل الصيام، وتأكيد على حرمة ذلك في نهار الصيام.
أُحِلّ لكم ليلة الصيام المعاشرة، لدرجة أن المرأة والرجل كاللباس واللابس؛ فهما لا يفترقان ليلًا وإن افترقا نهارًا.
هذا إذا كانت الأمور متصلة هكذا، فسأفهم هذه العبارة والآية — الجزء من الآية — باعتبار ما قبلها، أنه تفسير لما قبلها.
المعنى الثاني: انفصال عبارة اللباس ودلالتها على ديمومة المودة بين الزوجين
أما لو كانت [عبارة "هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"] منفصلة عما قبلها وهي قائمة بذاتها — وهذا جائز — فيكون معناها أن الله قد حرّم عليك المعاشرة نهارًا وأحلّ لك المعاشرة ليلًا، وهذا لا يضرّ العلاقة التي بينكم وبين زوجاتكم.
فلا تؤذوهنّ في مشاعرهنّ، ولا يؤذينكم في مشاعركم نهارًا بدعوى الصيام، بل أنتما وبصفة دائمة على صفة الحب والود والوئام والاتصال كشأن اللباس. وهذا معنى جميل.
علامات الوقف والابتداء في المصحف ودلالتها على اختلاف المفسرين
والعلماء وهم يعملون الوقف والابتداء قوم يقولون لك: "صِلْ" — يعني الوصل أولى — أو "قِفْ" — يعني الوقف أولى — أو "جيم" يضعوا جيم هكذا، يعني جائز الأمران.
عندما تنظر هكذا تجد هنا أن الشيخ الضابط [ضابط المصحف] اختار أنها جائز الأمران:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: 187]
قف أو أوصل.
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]
فوق "نسائكم" جيم، يعني جائز الوصل وجائز الوقف، فيبقى الأمران متساويان. وفوق "لهن" قلي، يعني الوقف أولى.
دلالة علامة "قلي" على أن ما بعدها كلام جديد وسعة الفهم في القرآن
﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ﴾ [البقرة: 187]
هذا كلام جديد، من الأفضل أن يكون كلامًا جديدًا. يمكن أن يكون تعلّق [بما قبله]، نعم يمكن، لكن من الأفضل أن يكون كلامًا جديدًا.
فماذا تعلّمنا هذه العلامات إذن؟ رأي المفسرين في بناء هذه العبارات الربانية بعضها على بعض. فيقول:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187]
ويمكن أن يختلف المفسرون؛ يأتي ليقول لك عن "قلى" هذه "جيم"، ويقول عن "جيم" هذه "قلى"، حسب ما يترجّح لديه من مفهوم الكلام.
سعة القرآن للفهم وضوابط الاجتهاد في تفسيره
فيكون إذن القرآن فيه سعة للفهم وهو محفوظ بحفظ الله، وإنما الوقوف وفقًا للمعنى، والمعنى وفقًا لما يفتح الله على أحدنا في القرآن، في ظل اللغة العربية الضابطة، ومقاصد الشريعة، وإجماع الأمة، وما ورد عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من توجيهاته وأوامره ونواهيه، وهكذا.
معنى تختانون أنفسكم وتوبة الله ورحمته بالتخفيف عن المؤمنين
﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: 187]
"صلى" أي أوصل أفضل. حسنًا ولو توقفت، أينفع؟ حسنًا سنتوقف.
﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ﴾ [البقرة: 187]
تختانون أنفسكم: لا تستطيعون أن تُمسكوا أنفسكم. وعندما لا تستطيع أن تُمسك نفسك، فإن هناك مشقة أم هناك طغيان؟ يعني قال: لا، ننزل المؤمنين أحسن المنازل؛ فيكون هناك مشقة.
وعندما تكون هناك مشقة، فماذا يفعل ربنا بك؟ أينتقم أم يرحم ويخفف؟ إنه يرحم ويخفف؛ لأنه هو:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
لأنه هو أرسل لنا واحدًا جميلًا عليه الصلاة والسلام، جميل رحيم، ومن رحمته يجلب الرحمة معه:
قال رسول الله ﷺ: «أنا منكم مثل الوالد للولد»
كذلك هو. فماذا قال [الله]؟ فتاب عليكم وعفا عنكم.
أثر الوصل والوقف في حكم المباشرة بين الاستحباب والإباحة
"صلى" يعني أوصل: فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن. نعم، أيضًا "صلى" أحسن أنه:
﴿فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187]
هذه جاءت من التوبة، هذه آتية من العفو. فالذي سيقف عند "فالآن باشروهن"، على ماذا؟ قال: على الإباحة؛ إنها شيء مباح، والأفضل أن لا تباشر. قال: لكن هذه فيها مشقة.
انتبه، قال له: إنني أريد أن أقول "صلى" [أي الوصل أولى]. لذلك انظر كيف "صلى".
ما معنى الكلام؟ معنى الكلام أن ربنا تاب عليك وعفا عنك فباشرهم؛ إذن يصبح "فالآن باشروهن" تصبح ماذا؟ تصبح مندوبة مستحبة.
وجها الاستحباب والإباحة في المباشرة وسعة القرآن لكل الظروف
لماذا [تصبح مستحبة]؟ ما دام تمتّع بتوبة الله والعفو فلنصل [أي الوصل أولى]. أقف: ربنا عفا عنك وتاب عليك، إذن تاب عليك من المشقة. طيب، وعندما لا تعمل هذه المشقة، ألا يصبح هذا أحسن؟ يصبح لها وجهان:
- •وإذا وصلت فسيكون معناها الاستحباب.
- •وإذا قطعت فسيكون معناها الإباحة.
إذن انظر إلى هذا! فماذا إذن؟ قال لك: والله حيث ما تجد قلبك، وحسب كل واحد مع ظروفه؛ لأن هذا قرآن للعالم كله حتى يكون الدين [يسرًا].
فأحيانًا يكون هكذا، وأحيانًا يكون هكذا، وأحيانًا يكون هكذا. في بشر يعرف أن ولا الحاسوب يستطيع أن يفعل ذلك! لا إله إلا الله، والله ما أحد يستطيع أن يفعل ذلك. هذا تنزيل من رب العالمين.
خاتمة اللقاء والتوديع بالسلام
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
