سورة البقرة | حـ 216 | آية 187 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح القرآن الكريم في سورة البقرة أحكام الصيام والإفطار، ففي قوله تعالى: "فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن" إشارة للإباحة.
- •جملة "وابتغوا ما كتب الله لكم" تشمل ما شرعه الله من سنن ومستحبات في رمضان كالقيام والقراءة والصدقة والاعتكاف.
- •استخدام "لكم" وليس "عليكم" يدل على الحقوق والواجبات معاً، فهي ليست فرائض ملزمة وإنما أمور ينبغي القيام بها.
- •يتبين الفجر الصادق بظهور الخيط الأبيض من الخيط الأسود، وهو مختلف عن الفجر الكاذب.
- •الفجر الكاذب يظهر قبل الصادق بثلث ساعة على شكل عمودي كذنب الذئب.
- •الفجر الصادق يكون منتشراً في الأفق بشكل أفقي وهو وقت الإمساك وأذان الفجر.
- •الدين مبني على اليقين والقوة لا على الشك والوسواس، فإذا لم يتبين الفجر يستصحب الأصل وهو الإباحة.
تفصيل أحكام الصيام في سورة البقرة ودلالة الأمر بالمباشرة
مع كتاب الله، وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يفصل لنا أحكام الصيام تفصيلًا:
﴿عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَٱلْـَٔـٰنَ بَـٰشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: 187]
لو وصلنا [إلى قوله "فالآن باشروهن"] يكون ذلك للاستحباب، ولو فصلنا ووقفنا عند "عفا عنكم" يكون ذلك للإباحة.
دلالة قوله تعالى وابتغوا ما كتب الله لكم على الحقوق والواجبات
﴿وَٱبْتَغُوا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187]
ابتغوا ما كتب الله لكم، ولم يقل "عليكم" بل قال "لكم". و"لكم" هذه معناها الحقوق والواجبات معًا.
يعني ربنا سبحانه وتعالى شرع لنا قيام رمضان، وشرع لنا أن نجعل بيننا وبين القرآن علاقة بالقراءة، وشرع لنا أن نتصدق فيه، وشرع لنا أن نعتكف في أواخره، وشرع لنا وهكذا.
وكل هذا سنن أم فرائض؟ قال: لا، سنن؛ ولذلك قال:
﴿وَٱبْتَغُوا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187]
يبقى "ما كتب الله لنا" تدخل فيها السنن.
معنى ما كتب الله لكم يشمل السنن والحقوق والواجبات الشرعية
هذا الذي نعبر عنه بجانب الواجبات، هي ليست واجبات شرعية، هي واجبات يعني ماذا ينبغي عليك أن تعمل هكذا. ويدخل فيها الحقوق كالمعاشرة للنساء والأكل والشرب.
فهو انتهت حكاية النساء هذه، قالوا: كلوا واشربوا، فتكون إذن:
﴿وَٱبْتَغُوا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187]
جملة أحاطت بما قبلها وما بعدها، جملة هكذا هي تحيط بما قبلها من المعاشرة وتحيط بما بعدها من الأكل والشرب حقوقًا.
إحاطة جملة وابتغوا ما كتب الله لكم بالسنن والعبادات في ليالي رمضان
وتحيط أيضًا بما ينبغي عليك أن تقوم به في هذا الليل من قيام ومن قراءة ومن أدعية ومن ذكر ومن اعتكاف ومن صلاة ومن صدقة ومن زكاة الفطر وهكذا.
ولذلك عبّر بـ"كتب"، فـالكتابة فيها هكذا معناها أنها شيء من عند الله. وبعد ذلك أراد أن يخفف الكاتب قليلًا؛ لأن "كتب" معناها أنه فرض، فذهب فقال "لكم" ولم يقل "عليكم".
"كُتب عليكم الصيام" - "عليكم" هذا انتهى، فرض. فأول ما يقول "كتب" وكتب يكون فيها شيء من عند الله هكذا.
معنى الخيط الأبيض والخيط الأسود من الفجر في آية الصيام
ما الذي من عند الله المختص بهذا؟ ذهب فلخصها في كلمة واحدة هكذا وهو:
﴿وَٱبْتَغُوا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]
الخيط الأبيض هو ضوء الشمس تظهر في الأفق قبل ظهورها، والخيط الأسود هو سواد الليل. وإذا نظرت في جو صحو في الصحراء وجدت هذا ظاهرًا أمامك عند الفجر الصادق.
الفرق بين الفجر الصادق والفجر الكاذب في الشكل والهيئة
والفجر فجران: فجر صادق وفجر كاذب.
أما الفجر الكاذب فهو يظهر قبل الصادق بنحو ثلث ساعة، ويظهر وكأنه ذيل ذئب، يظهر بصورة مستطيلة أي عمودية هكذا في السماء على هيئة مثلث رأسه أسفل وقاعدته أعلى.
أما الفجر الصادق فيظهر مستطيلًا مستعرضًا هكذا في الأفق كله، ليس قطعة عمودية هكذا، لا، أفقية وفي كل الأفق منتشر.
أما الكاذب فـكذنب السرحان [أي ذيل الذئب]، وأما الصادق فهو المستطير في الأفق، منتشر في الأفق.
أحكام الفجر الصادق والكاذب وعلاقتهما بالأذان والصيام
يكون إذن فجر كاذب هذا الذي كذنب السرحان [ذيل الذئب] قبل الفجر الصادق بثلث ساعة. وأما الصادق فهو الذي عليه أذان الفجر وهو الذي عليه صيام الصائم.
عندما تكون الشمس تحت الأفق في حدود ستة عشر درجة أو سبعة عشر وهكذا، تكون تحت الأفق في هذه الحدود. عندما تكون قبل ذلك فإن الدرجة تستغرق أربع دقائق، فعندما يكون بينهما عشرون دقيقة تكون كأنها في درجة واحد وعشرين أو عشرين، في هذه الحدود يظهر الفجر الكاذب ثم يختفي ثم يظهر الفجر الصادق.
أذان بلال بليل وأذان ابن أم مكتوم عند الفجر الصادق
وكان بلالًا [رضي الله عنه] يؤذن بليل؛ إن بلالًا يؤذن بليل لا يبيح صلاة ولا يحرم طعامًا.
وكان ابن أم مكتوم [رضي الله عنه] يؤذن عند ظهور الفجر الصادق، فيقال له: "أصبحت أصبحت" فيجيء مؤذنًا؛ لأن ابن أم مكتوم ضرير [أعمى]، فينظرون له ويخبرونه: "أصبحت أصبحت".
قاعدة اليقين لا يزال بالشك وأثرها في أحكام الصيام والأكل
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة: 187]
اليقين لا يُزال بالشك، قاعدة كبيرة في الفقه الإسلامي، في العقل المسلم المفكر: استصحاب الأصل. أفضل أن يأكل [الصائم] حتى يتبين له، فإذا لم يتبين فالدين مبني على الصلابة واليقين والقوة، وليس مبنيًا على الشك والوسواس والوهم والظن والتوهم أبدًا.
ولذلك كان ابن عباس [رضي الله عنهما] يرسل غلامين من فتيانه، فيأتي أحدهما فيقول: "خرج الفجر"، ويقول الآخر: "لم يخرج"، فيقول: "اختلفتما، ائتياني سحوري". ما هو الاثنان اختلفا، يبقى ألّا تأكلا حتى تتبيّنا.
بناء الدين على اليقين والقوة لا على الشك والظن
إذا أقام الدين الأمر كله على اليقين لا على الشك، على القوة لا على الضعف.
ومن هنا نهانا [النبي ﷺ] عن الظن وقال:
قال رسول الله ﷺ: «إن الظن أكذب الحديث»
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
