سورة البقرة | حـ 221 | آية 195 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 221 | آية 195 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفسير الآية الكريمة "وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين" تضمن عدة مبادئ ومعانٍ عميقة.
  • الإنفاق يعني إخراج ما يملكه الإنسان، فكلمة النفقة مشتقة من جذر يدل على الخروج مثل نفس ونفع ونفق.
  • النفقة في سبيل الله تكون بنية خالصة لله، وليس للمجد الشخصي أو الشهرة.
  • سبيل الله لا يقتصر على القتال، بل يشمل كل عمل صالح يقرب إلى الله.
  • المسلمون نشروا الإسلام بالمحبة والحكمة وليس بالإكراه أو العنف، ولم يكرهوا أحداً على ترك دينه.
  • لم يعرف الإسلام التمييز العنصري، بل جعل التقوى معيار التفاضل بين الناس.
  • عبارة "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" تحمل معاني عدة: عدم البخل، ترك الانتحار، التدرج في الأعمال حسب الاستطاعة.
  • "وأحسنوا" أمر بالإحسان في كل شيء، كما في الحديث "اعبدوا الله كأنكم ترونه".
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية الإنفاق في سبيل الله من سورة البقرة

مع كتاب الله، في سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا التفكير المستقيم:

﴿وَأَنفِقُوا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]

يعني انظر كم مبدأ هؤلاء، أشياء كثيرة جدًّا، إيجاز في إعجاز.

المعنى اللغوي لكلمة الإنفاق وارتباطها بالخروج في العربية

والنفقة فيها خروج؛ لأن كل كلمة في اللغة العربية تبدأ بالنون وثاني حروفها الفاء تكون بمعنى الخروج: نَفَسَ - النَّفَسُ الخارج - اهو، نَفَرَ يعني خرج، نَفَعَ خرج منه شيء للناس، نَفَقَ - النَّفَقُ تدخل من مكان وتخرج من مكان آخر.

والإنفاق في [اللغة] بذلٌ وخروجٌ للمال منك: نَفَعَ، نَفَرَ، نَفَقَ، نَفَسَ، نَفَحَ - يُقال لك في نفحة، النفحة هذه، آه النفحة تعني شيء هكذا تعطيها نفخًا فيخرج نَفَسُه بالنفخ، وهكذا.

دلالة كلمة أنفقوا على إثبات الملكية قبل الإخراج

وأنفقوا فيخرج بإخراج أيِّ شيء معك، بداخلك شيء كامن فيك. فيبقى إذن هنا "وأنفقوا" أثبت الملك؛ ما هو أن تنفق، يعني ما معناه أن تنفق [أي] تُخرج الشيء الذي معك، الشيء الذي أنت مُثبَتٌ فيه، الشيء الذي تملكه.

وأنفقوا أثبت الملك، يعني لم يقل لك تنازل، اترك، دَعْ، قال لك أنفق. والنفقة فيها الخروج، والخروج معناه أنها شيء معك، داخلك، معك تعطيه، وأنفق.

الفرق بين الإنفاق في سبيل الله والإنفاق لأغراض دنيوية

طيب، في سبيل الله: فتكون النفقة قد تكون في سبيل الله وقد تكون لغرض آخر كالمجد؛ بناء المجد. تجد بعض الناس يعملون أوقافًا من أجل أن يُكتب اسمه على المؤسسة الذي ينفق فيه، ليُخلَّد بعد أن يرحل من هذه الحياة الدنيا، يكون ليس في سبيل الله.

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات»

هل "وأنفقوا في سبيل الله" مقصورة على القتال أم أن القتال أحد أنواع سبيل الله؟ قال لك: لا، [القتال] أحد أنواع سبيل الله. "في سبيل الله" يعني في كل شيء.

الدقة القرآنية في مفهوم سبيل الله وحاجة الفقهاء للقتال الدفاعي

انظر الدقة القرآنية: الفقهاء أصبحوا في عصر من العصور يحتاجون فيه إلى القتال؛ لأن العالم كله يقاتلنا. قومٌ يقاتلون في سبيل الله، أي أن القتال أولى الحاجات، وواجب الوقت الذي نعيشه هو أن ندافع عن أنفسنا.

هاجمنا الفرس والروم، هاجمنا بعد ذلك التتار والصليبيون، هاجمنا بعد ذلك الاستعمار، هاجمنا طوال حياتنا ونحن يهجمون علينا ونحن قاعدون في أمان الله، وهؤلاء هجومٌ. هاجموا علينا وطردونا من الأندلس، هاجموا علينا وطردونا من الهند، هاجموا علينا وهكذا.

انتشار الإسلام بالمحبة والأسرة لا بالقوة والإكراه

حسنًا، ونحن لم نهاجمهم، نحن دخلنا وتزوجنا وكوَّنا أسرة، والأسرة ظلت تنتشر ببعض الأحكام الفقهية: أن المسلم يجوز أن يتزوج غير المسلمة، وأن الأولاد يصبحوا مسلمين، وأنه يجوز للرجل أن يُعدِّد الزوجات، ويجوز له أن يطلق، وأنه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتزوج غير المسلم.

خمسة أحكام نشرت الدعوة بالسهولة، بالمحبة، بالحب، بالعائلة. لم نُبِد شعوبًا، ولم نعمل تفريقًا عنصريًّا، ولم نفتح محاكم تفتيش، ولا أي شيء.

براءة المسلمين من الجرائم التاريخية التي ارتكبتها الأمم الأخرى

ليس هناك شيء نعتذر عنها، ما ارتكبنا جريمة نعتذر عنها، ولا أكرهنا الناس على أن تترك دينها، ولا استعمرنا وحملنا كل الأموال إلى الحجاز مثلًا لكي نجعلها جنة الله في أرضه. ظل الحجاز أفقر بلاد الله حتى ظهر البترول.

المسلمون فعلوا ماذا؟ تشنيعٌ فقط عليهم من يمين وشمال، لم يفعلوا شيئًا! فعلوا كل خير، كل خير فعلوا. ولا استعبدنا شعوبًا، ذهبنا إلى أفريقيا وذهبنا حاملين ستين مليونًا، ولا قتلنا مائة مليون هندي أحمر، ولا السكان الأصليين لتسمانيا، ولا أي شيء. لم نفعل شيئًا.

نظام الإسلام البريء من التمييز العنصري وشواهده التاريخية

لكن كان هناك شخص يمشي في الطريق وقال لآخر: اخص عليك! ربما تحدث حادثة، أي إن هذا ليس نظامًا. نظامنا كان بريئًا نظيفًا لا يعرف هذه الأشياء.

سيدنا لقمان كان أسود، سيدنا بلال كان أسود، فالمسلمون لديهم من هؤلاء الناس السود أولياء الله الصالحين، أهل الله. ويدخل على شيخه أسود، أحمر، أبيض، لا يفرق إلا بالتقوى. طوال عمر المسلمين هكذا.

ليس لديهم شيء اسمه أن الأسود لا يتزوج إلا سوداء، وأنهم لا يدخلون المطاعم. لا! حسنًا، الناس وصلت إلى هذا الآن.

خروج الأمم عن منهج الله واضطرارهم لتشريع ما شرعه الإسلام

ماشٍ، إنهم يخرجوا من [منهج] الله ومن منهج الله في بعض الأحيان، عندما يفسد عليهم الحال بما قد اخترعوه من أنظمة. فشرَّعوا الطلاق، لم يشرعوا التعدد بعد، يشرعوه بعد ذلك.

ألغوا الرق الذي تشوف [يستشرف] الشرع الشريف إلغاءه، ومنعوا التمييز العنصري ورأوا أنه ضد الإنسانية. الحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

معنى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وخطر البخل

وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة: انظر هذه العبارة، معناها أنك إذا بخلت فقد قُدتَ بنفسك إلى التهلكة.

ولكن ما رأيك، هل تنفع وحدها؟ تأخذونها هكذا وتحملونها وتصبح عنوانًا من غير سباق وسياق؟ "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" يعني لا تنتحروا. "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" يعني إذا لم تستطيعوا شيئًا فاتركوه وتجاوزوه إلى ما تستطيعونه، حكمة.

"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة" يبقى لها أفراد كثيرة؛ مرة في السياق ومرة بالاستقلال.

المعنى المستقل للآيات القرآنية كمبادئ حياتية شاملة

وهذه نسميها ما المعنى المستقل؟ المعنى المستقل [هو أن] نترك السياق والسباق وإذ بها تصلح لأن تكون مبدأً يسير عليه المؤمن في كل حياته: في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الاجتماع، وفي كل شيء.

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]

هذا خارج السياق والسباق.

﴿لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 39]

هذا.

﴿ٱلْقِصَاصِ حَيَوٰةٌ﴾ [البقرة: 179]

هذا. فما يكون هذا المعنى المستقل.

معنى وأحسنوا وعلاقتها بمقام الإحسان في العبادة

وأحسنوا، هذه لوحدها تحتاج إلى سنة لشرحها. وأحسنوا: اعبدوا الله كأنكم ترونه، فإن لم تكونوا ترونه فإنه يراكم.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]

فاللهم اجعلنا منهم. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.