سورة البقرة | حـ 222 | آية 196 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة "وأتموا الحج والعمرة لله" تأمرنا بالإخلاص في العبادات لله تعالى.
- •الإخلاص يعني ألا نريد بالعبادة إلا وجه الله، وهو شرط لقبول العمل مع الصواب واتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
- •لا يتعارض الإخلاص مع تحصيل منافع الدنيا، فالحج فيه منافع كثيرة للناس، لكن ينبغي أن تكون النية خالصة لله.
- •الجمع بين خيري الدنيا والآخرة ممكن في الإسلام، حيث تكون الدنيا في اليد وليست في القلب.
- •المخلص لا يحزن على المفقود ولا يفرح بالموجود فرحاً يخل بالإخلاص.
- •يصبح المسلم عزيزاً أمام نفسه وعند الله عندما لا تتحكم الدنيا في قلبه.
- •تفصيل الله لأحكام العبادات كالحج والصيام إشارة إلى اختصاصها به سبحانه.
- •كلما فصّل الله عبادة من العبادات كان ذلك إيذاناً بأنها له وحده لا شريك له.
افتتاح الدرس والأمر بإتمام الحج والعمرة لله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَأَتِمُّوا ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]
وهذا أمرٌ يأمرنا فيه ربنا بشيءٍ مهمٍّ من مهمات الحياة الدنيا، وهو الإخلاص لله؛ وأنَّ الشيء إذا ما أردنا إتمامه فلا بدَّ أن يدخل الإخلاص فيه.
شرط قبول العمل عند الفضيل بن عياض: الإخلاص والصواب
وكان الفضيل بن عياض رضي الله تعالى عنه يقول: «لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب»؛ فلا بدَّ أن يكون مصيبًا بأن يكون على نهج سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يأتي بالعلم. ولا بدَّ أن يكون مخلصًا خالصًا لله.
قال صلى الله عليه وسلم:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى» رواه البخاري ومسلم
فأمرنا بالإخلاص لله:
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ﴾ [البينة: 5]
يعني يجب أن يكون الدين خالصًا لله.
معنى الإخلاص في العبادة وعدم التفات القلب إلى منافع الدنيا
ومعنى هذا أننا لا نريد بشيءٍ من العبادة غير الله، حتى ولو كان فيها من الفوائد ما يُبتغى. فالحج فيه منافع، هي منافع السفر، ولكننا لا نلتفت إلى هذه المنافع حتى لو حصلنا عليها.
فهذا هو سرُّ حلاوة القرآن؛ حتى لو حصلنا عليها، فـالإخلاص مسألة قلبية، حتى لو كانت الدنيا في الظاهر في أيدينا ولكنها ليست في قلوبنا.
ومن هنا يأتي معنى الإتمام، ومن هنا يأتي معنى الاختصاص بالله رب العالمين.
لام الاختصاص في الآية والجمع بين الإخلاص وتحصيل المنافع الدنيوية
﴿وَأَتِمُّوا ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]
اللام هنا يقولون أنها لام الاختصاص، أي مختصون بذلك الإتمام لله، وليس لحاجةٍ تريدونها، وليس لمنفعةٍ تحصلون عليها.
ولكن ستحصلون على منافع؛ وتذهبون لتقوموا بالتسويق هناك وتعملون، وتذهبون لتلتقوا بالناس وتُبرمون صفقاتٍ تجارية، وتذهبون لتلتقوا بالناس، وطلبة العلم يذهبوا إلى علماء الحرمين ويأخذون الإجازات. منافع كلها، ولكن الحج والعمرة كان مخلصًا لله.
قضيتان من إتمام الحج والعمرة لله: قبول العمل وعدم التناقض مع الدنيا
إذن:
﴿وَأَتِمُّوا ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196]
تؤدي إلى قضيتين:
- القضية الأولى: أنَّ الإخلاص لله به يُقبل العمل.
- القضية الثانية: أنَّ الإخلاص لله لا يتناقض مع أن الدنيا في أيدينا؛ ليست مقابلةً ثنائية إما هذا أو ذاك، بل هذا وذاك.
﴿وَأَتِمُّوا ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ﴾ [البقرة: 196]
التي فيها المنافع، أتمُّوها ولكن اجعلوها لله.
﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَـٰفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 28]
لأنَّ الحج كذلك، ولكن اجعل هذا لله.
دلالة الآية على الجمع بين خيري الدنيا والآخرة دون تناقض مع الإخلاص
إذن فهذه آيةٌ تدلُّ على أننا نجمع بين خيري الدنيا والآخرة؛ يعني هذه الآية تجعل الإخلاص لا يناقض تحصيل الدنيا ولا يضادُّه، وإنما يمكن أن تحصل الدنيا والقلب معلَّقٌ بالله.
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته لله ورسوله فهجرته لله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو إلى امرأةٍ يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» رواه البخاري ومسلم
الهجرة لله لا تتعارض مع تحصيل منافع الدنيا كالزواج وغيره
فماذا لو هاجر [المسلم] لله ورسوله ثم ذهب فتزوَّج امرأة، هل يكون الزواج باطلًا؟ كلا. هل يَكُرُّ ذلك على الإخلاص الأول بالبطلان؟ أبدًا.
فكلهم فعلوا ذلك وعملوا لوجه الله مخلصين له الدين، ثم تزوَّجوا من أهل المدينة. فإذا كانت القضية هنا ليست فيها مقابلة، ولكن فيها جمعٌ بين الخيرات؛ خيري الدنيا والآخرة.
وهكذا عمل الإسلام أبدًا؛ كلما تحصل الدنيا ولك الثواب في الآخرة. ليست هناك مفاصلة، ليست الدنيا ملعونةً فيجب الابتعاد عنها، ولا تدخل الجنة إلا من أبواب الترك والزهد.
حقيقة الزهد في الدنيا أن تكون في اليد لا في القلب
أنك لا تزهد في الدنيا إلا إذا كانت في يدك. متى تكون زاهدًا؟ عندما تكون الدنيا في يدك هكذا وتخرج من قلبك.
ما معنى أن تخرج من قلبك؟ يعني ألَّا تحزن على المفقود ولا تفرح بالموجود؛ سواءٌ يعني وجودها وعدمها سواء. فلا أحدٌ يستطيع أن يُذِلَّك بها، ولا أحدٌ يستطيع أن يهدِّدك بها، ولا أحدٌ يعرف أن يكسر نفسك بها.
فتكون عزيزًا أمام نفسك وعزيزًا عند الله، ولله العزة؛ فهو بيده العزة التي يعطيها لمن يشاء.
خطورة دخول الدنيا في القلب وأثره على الإخلاص لله تعالى
إذا دخلت الدنيا قلبك، إذا حزنت لفقدانها حزن الهلع وفرحت بها فرح المتمكِّن، فإنك تكون قد أخللت بشيءٍ من الإخلاص.
فالله يعمر قلبك ولا يحبُّ شريكًا معه؛ فيكون القلب خالٍ من كل أحد، القلب خالٍ من الدنيا، القلب خالٍ. تعالِ، فاليد ليست خاليةً من الدنيا [أي أنَّ الدنيا تكون في اليد لا في القلب].
تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأطفال وتوقف الأحكام أمام الطفولة
أما هذا [الجمع بين الدنيا والإخلاص] فإنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان على المنبر فرأى الحسن والحسين فنزل من على المنبر، ألقى الخطبة ونزل واحتضنهما. الله! كانت الطفولة تُعطِّل كل شيء؛ تتوقف الأحكام أمام الطفولة.
فكان ساجدًا فركبه الحسين فأطال في السجود. وكان مرةً في صلاته فسمع بكاء طفلٍ فأسرع في صلاته.
وهكذا أبدًا، لو تتبَّعت الطفولة عند النبي صلى الله عليه وسلم لوجدتها توقف الأحكام، توقف الأحكام، لا توقف التصوير [أي ليست مجرد مشاهد شكلية]، توقف الأحكام.
بداية تفصيل أحكام الحج في القرآن ودلالة التفصيل على اختصاص العبادة لله
حسنًا، ماذا قال [الله تعالى]؟
﴿وَأَتِمُّوا ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ [البقرة: 196]
بدأ بالتفصيل، وكلما فصَّل الله سبحانه وتعالى عبادةً من العبادات كان ذلك إيذانًا بأنها له وحده لا شريك له.
كما فصَّلنا ذلك في الصيام وقلنا إنَّ أحكام الصيام قد ذُكرت كلها في القرآن، ولا تحتاج بعد ما ذُكر في القرآن إلى أيِّ بيان. وسبب ذلك أنَّ الصيام لله وحده؛ أما الصوم فإنه لي وأنا أجزي به [كما في الحديث القدسي].
العبادات المفصلة في القرآن تشير إلى اختصاصها بالله وحده والختام
والعبادات التي تأتي هنا [في سورة البقرة] فيذكرها الله سبحانه وتعالى بالتفصيل، يُؤذِن ذلك ويشير إلى أنها له وحده.
فيقول سبحانه:
﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ ٱلْهَدْىِ﴾ [البقرة: 196]
ولهذا لقاءٌ آخر. وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
