سورة البقرة | حـ 224 | آية 197 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الحج أشهر معلومات تبدأ من غروب شمس آخر يوم من رمضان، مع دخول شهر شوال، وتشمل شوال وذو القعدة وذو الحجة حتى فجر يوم العيد.
- •لا يصح الإحرام بالحج قبل دخول هذه الأشهر، كما لا تصح الصلاة قبل وقتها.
- •الركن الأعظم في الحج هو الوقوف بعرفة، فمن فاته الوقوف بعرفة فقد فاته الحج.
- •نهى الله تعالى عن الرفث وهو الكلام القبيح، والفسوق وهو المخالفات الأخلاقية، والجدال في الحج.
- •الجدال المنهي عنه هو الانتصار للنفس والخصام والنزاع، أما المناقشة العلمية وعرض الآراء لتحقيق مصلحة المسلمين فليست من الجدال المذموم.
- •المجادلة المباحة هي "بالتي هي أحسن" كما في قوله تعالى: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن".
- •ما يفعله الحاج من خير يعلمه الله ويجازي عليه، وخير الزاد التقوى.
المقدمة وبيان أشهر الحج المعلومات وبدايتها من شوال
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يفصّل بعض أحكام الحج:
﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ [البقرة: 197]
والأشهر المعلومات هي شوال الذي يدخل برؤية هلال شوال بعد انتهاء رمضان، فعندما يؤذّن المؤذن لمغرب آخر يوم من أيام الصيام نكون قد دخلنا في أول يوم من تلك الأشهر المعلومات.
جواز الإحرام بالحج من أول ليلة شوال وعدم صحته قبلها
ونحن نُفطر في آخر يوم وهو آخر يوم صمنا، سواء كان تسعة وعشرين أو ثلاثين من رمضان، أذّن المؤذن فابتدأنا نُفطر، وهذا الإفطار معه يجوز لمن أراد الحج أن يقول: لبيك اللهم بعمرة هذا العام أو بحج هذا العام فينعقد حجه.
فلنفترض أنه قالها قبل المغرب لا ينعقد حجه؛ قبل المغرب الذي يؤذَّن له بخمس دقائق قال: لبيك اللهم بحج، لا ينفع. وهذا مثل ما [لو صلّى أحدٌ] قبل صلاة الظهر، قبل أذان الظهر فذهب وقال: نويت أصلي صلاة الظهر ودخل يصلي الظهر أربع ركعات، لا ينفع.
وجوب مراعاة المواقيت الزمنية في العبادات كالصلاة والصيام والحج
لماذا [لا ينفع ذلك]؟ لأنه في غير وقته، الذي يعمل [ذلك] كما لو صام في شعبان، صام شعبان كله ولا يكفي عن رمضان. لا ينبغي [ذلك]؛ لا بد أن يكون في نظام في وقت.
﴿يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]
ولذلك فهذه المواقيت معتبرة محترمة، هي محلّ العبادة. ولذلك هنا يقول:
﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ [البقرة: 197]
وهذا معناه عدم جواز الحج في غير تلك الأوقات، كما أنه لا يجوز أن نصلي الصلاة قبل وقتها أو أن نؤخرها بعد فوات وقتها.
حكم تقديم العبادات عن وقتها وعدم جواز ذلك مطلقًا
كل ذلك لا يجوز إلا لعذر، أما التأخير فجائز [لعذر]، لكن التقديم لا يجوز مطلقًا، لا لعذر ولا لغيره. فلا يصح أن أصلي اليوم الآن صلاة الظهر التي تخص الغد أو بعد غد، نصليهم الآن ما دمنا متفرغين، ما دام لا يوجد هذا النظام في الإسلام.
﴿ٱلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَـٰتٌ﴾ [البقرة: 197]
تبدأ بالمغرب من آخر يوم في رمضان، وبذلك نكون دخلنا في أول شوال، وتستمر ذو القعدة كلها وحتى فجر يوم العيد [عيد الأضحى].
وجوب الوقوف بعرفات قبل فجر يوم العيد وفوات الحج بفواته
قبل فجر يوم العيد [عيد الأضحى] يجب أن أقف على عرفات. لو فاتني عرفات ولم أقف ليلة العيد فيها ولا نهارًا، كذلك عرفات ولا ليلة العيد ولا شيء، يبقى فاتني الحج.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الحجُّ عرفة»
يعني الركن الأعظم في الحج هو عرفة.
النهي عن الرفث والفسوق والجدال في أشهر الحج
﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ﴾ [البقرة: 197]
يعني [من أحرم بالحج في] هذه الأشهر:
﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِى ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]
الرفث كناية عن الكلام القبيح. والفسوق كناية عن الكلام المخالف [للشرع]؛ تجده يخالف العقيدة، تجده يدعو إلى الفساد في الأرض.
والجدال كناية عن المراء، والمراء لا يُبتغى به الله ولا وجه الله.
التحذير من المراء وبيان خطورته في الأحاديث النبوية
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«وأنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراءَ ولو محقًّا»
وقال صلى الله عليه وسلم:
«من تعلّم العلمَ ليُماريَ به العلماءَ ويُجاريَ به السفهاءَ»
يُماري من المراء. فالجدال هنا ينهى ربنا [سبحانه وتعالى] عن كل نوع من أنواع المشاحنة والمخاصمة والنزاع بين الناس بغير حق وإنما بالهوى.
الفرق بين الجدال المذموم والمناقشة العلمية المحمودة في الحج
أما المناقشة العلمية وعرض الآراء فيما يفيد المسلمين وتقريب الأمر بالنظر، فهذا ليس من الجدال. فلنا أن نجتمع في الحج وأن نعرض مشكلات المسلمين وأن نتناقش حولها، وأن يُبدي كل منا له حجته ووجهة نظره في حلها، وأن نتفق وأن نختلف في هذا ونقول: لا، هذا يترتب عليه كذا وكذا من المفاسد أو كذا وكذا من المصالح ونتناقش، هذا ليس من الجدال.
وإنما الجدال هو الانتصار للنفس بالحق أو بالباطل. الجدال هو المراء من أجل أن نتعالى على الآخرين ونُظهر أننا أقوى حجة منهم. الجدال هو نوع من أنواع الخصام والنزاع.
مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن والفرق بينها وبين الخصام
ولذلك يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:
﴿وَلَا تُجَـٰدِلُوٓا أَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [العنكبوت: 46]
ثم جاء وقال:
﴿إِلَّا بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]
لأنه لو تركها هكذا يكون نهانا عن كل مناقشة. متى يكون الجدال مناقشة؟ إذا كان بالتي هي أحسن، فإذا لم يكن بالتي هي أحسن ظلّ على خصامه ومنازعته.
فضل فعل الخير في الحج وعلم الله بكل عمل والتزود بالتقوى
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 197]
فالحج خير، وترك هذه الأمور [المنهي عنها من الرفث والفسوق والجدال] خير. والخير هنا مصدر فيدل على القليل والكثير.
﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 197]
يعني ولو كان مثقال ذرة يعلمه الله، وعلم الله يقتضي منه سبحانه أن يجازينا على الخير خيرًا.
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]
هذا كلام يحتاج إلى تفصيل، فإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
