سورة البقرة | حـ 225 | آية 197 - 198 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين القرآن في سورة البقرة قوله تعالى: "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى"، مشيراً إلى أهمية التزود المادي للحج كأحد أركان الاستطاعة.
- •توسع الآية مفهوم التزود ليشمل التقوى، فلا يكفي التزود المادي بل لابد من تحري الحلال في كسب المال المخصص للحج.
- •من مظاهر التقوى قبل الحج: الكسب الحلال، ورد المظالم إلى أصحابها، وتسديد الديون، وإعطاء الورثة حقوقهم الشرعية.
- •من صور التقوى أثناء الحج: حسن الصحبة، سعة الصدر، تجنب الغضب والفحش والجدال والفسوق، ومساعدة رفقاء الحج.
- •بعد الحج تستمر التقوى بالامتناع عن الذنوب وبدء عهد جديد مع الله.
- •توسيع معنى الزاد في الآية يشمل زاد الأجساد والأرواح معاً، وليس استبدال أحدهما بالآخر.
- •خير في الآية بمعنى أخير (أفضل) وتقتضي المشاركة مع الزيادة، فالتزود الروحي أفضل وأكثر عند الله.
مقدمة الدرس وبيان أن الحج أشهر معلومات والأمر بالتزود
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أن بيّن أن الحج أشهر معلومات:
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]
إذن لا بد لنا في رحلة الحج أن نأخذ معنا ما يكفينا في الذهاب والإياب من الزاد المادي والنفقة، وهي أحد أركان الاستطاعة.
أنواع الاستطاعة في الحج من البدن والنفقة والتزود
فالاستطاعة قد تكون في البدن، وقد تكون في نفقة الانتقال كثمن الطائرة، وقد تكون في التزود بما يوصلنا إلى بيت الله الحرام.
﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: 197]
ثم بعد ذلك يقول:
﴿فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]
فوسّع [الله سبحانه وتعالى] من مفهوم التزود؛ لأنه تزوّد أي اطلب زادًا، أي استكفِ بنفقة تكفيك السؤال في هذه الرحلة، لا تسأل الناس ولا ينقطع بك الحال.
التقوى توجب تحري الحلال وعدم الحج بمال حرام
حسنًا، ثم فجأة يقول:
﴿فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]
آه، إذن ليس التزود فقط بهذا الصنف من النفقة، بل بشيء آخر وهو التقوى التي توجب عليك ألا تتزود من حرام. فلا بد لك من تحري الحلال وطلب الحلال، وألا تذهب إلى الحج بمال مسروق، أو بمال رشوة، أو بمال مغتصب، أو بمال قد حصّلته من الحرام.
لا بد لك أن تذهب إلى الحج بكسب حلال.
التقوى تشمل رد المظالم إلى أهلها قبل الحج
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]
تجعلنا نتأمل في هذه التقوى التي سوف نستصحبها معنا. فبعد أن كان الكسب حلالًا، فإنه ينبغي أن أرد المظالم إلى أهلها؛ لأنني لا أكون تقيًّا إذا ما حججت أو اعتمرت لله رب العالمين من مال حرام وأنا لم أرد المظالم بعدُ إلى عباد الله.
ومطل الدين فمطل الغني ظلم يحلّ عقوبته؛ إذ لا بد علينا من رد الديون في موعدها.
النهي عن المماطلة في سداد الديون ووجوب ردها قبل الحج
هل أنت مماطل؟ ما أنت غير راضٍ أن تسدد الديون وتقول: لا، دعنا نقلّبها، أهمّ يجلبون لنا فائدة وعائدة؟ لا ينفع هذا الكلام.
يجب أن ترد الديون الآن، ولا بد ألا تكون مماطلًا. فيبقى رقم واحد: الكسب الحلال، ورقم اثنان: رد المظالم التي منها الديون، ومنها عدم توزيع الميراث.
من يحرم أخواته من الميراث ثم يحج فحجه مردود عليه
يشيع اغتصاب الأرض، ومنها في بعضنا من يحرم أخواته البنات من الميراث، ثم يذهب ليحج سبع حجّات! حتى يقول له الملك: لا لبيك ولا سعديك، حجك مردود عليك، مالك حرام.
والله يعني هذا أُغلق عليه نهائيًّا، الحجة لم تُقبل منه؛ فهو ذهب ليتنزه، ذهب ليتسلى، ذهب ليفعل أي شيء، ولكن ليس ثمة الثواب. ذهب الثواب، فردّوا المظالم.
من التقوى حسن الصحبة وإعانة الرفاق والامتناع عن الذنوب بعد الحج
من التقوى حسن الصحبة؛ أن توسّع صدرك، لا تغضب، لا تتفوّه بالفحش، لا تجادل، لا تفسق.
من التقوى أن تعين أصحابك في الحج ممن خرجت معهم.
من التقوى أن ترجع بعد الحج فتمتنع عن الذنوب والمعاصي والآثام، وتبدأ عهدًا جديدًا مع الله.
من التقوى إذن، التقوى هذه قد دخلت في كل شيء، ابتداءً من الزاد وانتهاءً بالعودة والمآب.
التوسعة في معنى الزاد من زاد الأجساد إلى زاد الأرواح دون إلغاء المعنى الأول
﴿وَتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة: 197]
ما من مانع حتى لا ينقطع بك الطريق، أنّ خير الزاد التقوى، فوسّع معنى الزاد من زاد للأجساد إلى زاد للأرواح أيضًا.
ولكنه لم يَنفِ زاد الأجساد، ولذلك نقول عليه توسّع وليس مجازًا. يعني الزاد للأجساد فجعله للأجساد والأرواح، هذا توسّع وتوسّع في الدلالة.
ولكن ليس نقلًا إلى شيء آخر [بأن نقول]: الأجساد لا، دعونا نترك الأجساد ونبقى في الأرواح. لا، هذه توسعة. فانتبهوا في تفسير القرآن في هذا المعنى: أن التوسعة لا تلغي المعنى الأول، بل تضيف إليه توسعة. فعلينا أن نفهم هذه التوسعة.
أفعل التفضيل في كلمة خير ودلالتها على المشاركة مع الزيادة في التزود الروحي
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]
وخير هنا يقول لك عليها أفعل تفضيل؛ خير وشر فيهما شيء غريب جدًّا. عندما تقول: هذا أفضل من هذا، أحسن من هذا، أكثر من هذا، أغنى من هذا، أنت تقول ماذا؟ أَفْعَل، وزنها هكذا: أَفْعَل.
لكن هنا خير وليس أخير. قالوا: الكلمتين هؤلاء في اللغة العربية لهم وضع خاص قليلًا؛ خير تعني أخير، وشر تعني أشرّ.
فيكون هذا أخير من هذا. أفعل التفضيل تقتضي المشاركة مع الزيادة، أي في خير في التزود الجسدي وفي خير في التزود الروحي، وأيهم أكثر عند الله؟ التزود الروحي.
زاد الأجساد والأرواح كلاهما فيه خير والتقوى تعود على أصحابها بالنفع
فيكون:
﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ﴾ [البقرة: 197]
تعني أخير الزاد التقوى؛ تكون زادًا للأجساد فيه خير، وللأرواح فيه خير أكثر، وهذا هو أفعل التفضيل.
﴿وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُولِى ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 197]
لو كنتم عاقلين لوجدتم هذه الأشياء بالرغم من أن فيها تقوى لله، إلا أنها ترجع إليكم: تنوّر قلوبكم، تغفر ذنوبكم، تيسّر أموركم، تجعلكم أحسن وأهدأ بالًا، تنامون في آخر النهار لا يوجد شيء عليكم.
واتقوني إذا كنتم تفهمون. وإلى لقاء آخر، فاللهم اجعلنا من الفاهمين، نستودعكم الله.
