سورة البقرة | حـ 228 | آية 199 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 228 | آية 199 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • القرآن الكريم يرشدنا إلى أهمية اتباع الجماعة في الخير بقوله تعالى: "ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس".
  • حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم اختلافاً فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار" يؤكد هذا المبدأ.
  • ينبغي على المسلم أن يفهم الدين من كتاب الله وسنة رسوله، وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن.
  • النهي عن ثوب الشهرة يعني عدم التميز عن الناس بلباس غريب أو مخالف للعرف.
  • قال تعالى: "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين".
  • يجب مراعاة أعراف الناس وعاداتهم ما لم تخالف شرع الله.
  • هناك فرق بين اتباع الناس في الخير وبين الإمعة الذي يتبع الناس في المعصية.
  • الفرق واضح بين أن نطيع الناس من خلال طاعة الله وأن نطيعهم من خلال معصية الله.
  • هذا الدين متين، وينبغي الدخول فيه برفق، فلن يشاد الدين أحد إلا غلبه.
  • الاستغفار مهم لأننا لن نصل إلى الكمال في تطبيق الدين.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وقاعدة مهمة في حياة المسلم من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، والله سبحانه وتعالى يفصّل لنا بعض أحكام الحج، يقول سبحانه قاعدة مهمة في حياة المسلم وتطبيقه لدينه، وهي أن تكون مع الناس في الخير، هذا هو القيد، في الخير:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

وجوب اتباع جماعة المسلمين وعدم الشذوذ عنهم في الخير

كيف يسير الناس؟ تسير في اتجاه مكة، لا تقل لا، فهذا ربما يلزم أن نسير في الاتجاه الآخر، لا يصح ذلك.

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار» أخرجه ابن ماجة

ويقول ابن مسعود رضي الله عنه وقد فهم الدين من كتاب الله ومن سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن»

كن مع الناس، عندما تجد الناس تسير على وضع معيّن ليس خارجًا عن كتاب الله ولا عن سنة رسول الله ولا فيه تكليف النفس بما لا تطيق:

﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]

فكن مع الناس ولا تخالفهم في أعرافهم وتوجهاتهم فتكون شاذًّا.

النهي عن ثوب الشهرة والأمر بالتزام العرف السائد بين الناس

نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثوب الشهرة.

ما ثوب الشهرة هذا؟ أن تلبس شيئًا كي تتميّز به عن خلق الله، فالناس كلما نظروا إليك يرون شيئًا غريبًا؛ الألوان غريبة والتفصيل غريب واللباس غريب، أحيانًا يكون مضحكًا وأحيانًا يكون غير مفهوم.

قال تعالى:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

هذه القضية قضية مهمة جدًّا تغيب عن كثير من الشباب خاصة، ويحبّ أن يفعل ما في ذهنه؛ لأنه قد فهم أن السنة هكذا. لا، السنة هي أن تتّبع تلك المناهج:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

رأي ابن تيمية في ترك السنة إذا صارت شعارًا للفاسقين

السنة كذلك أن تتّبع جمهور المسلمين، فما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن.

ولذلك الشيخ ابن تيمية يقول إن البياض سنة، كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبّ أن يلبس الأبيض، لو صار [اللباس الأبيض] شعارًا للفاسقين في بلد ما، البياض صار شعار الفاسقين، يجب عليك ألّا تلبسه.

فلا تقل وتصمّم: يجب أن ألبس البياض. لماذا تلبس البياض؟ قال: لأن هذا سنة. صحيح كلامك صحيح مضبوط مائة في المائة أنه سنة، لكن الناس ستقول عنه أنه فسق؛ لأنه أصبح شعار الفاسقين في هذا البلد.

الرد على من يقول لا شأن لي بالناس وأسير على ما أراه

قال لي: وما شأني أنا والناس؟ ها قد ابتدأنا، ها هي الكلمة، وأنا ما شأني وما شأن الناس، أنا لا يهمّني، فأنا أسير على ما أراه ولا أهتم.

نقول له: لا، إذن أنت ما فهمت مراد الله سبحانه وتعالى من كتابه، لم تعش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. صلى الله عليه وسلم عاش القرآن:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

الناس وهي تفيض كانت تعمل خيرًا أم تعمل شرًّا؟ تعمل خيرًا. ما دام الناس في عاداتهم وتقاليدهم وأحوالهم لم يخالفوا [شرع الله]، والمخالفة هذه معناها أنها قد خالفت الواجب، فكن معهم.

تطبيق قاعدة متابعة الناس في العادات كالعزاء والأفراح ما لم تكن معصية

فعندنا عادات لاستقبال العزاء واستقبال المعزّين، ما دمنا متعوّدين نجتمع ويعزّي بعضنا بعضًا ونقيم السنة، ولكن بطريقة معيّنة ما دام لا يوجد فيها مخالفة [لشرع الله] فلتكن كذلك. في الأفراح ما دام لا يوجد فيها مخالفة فلتكن كذلك.

ولو أن الناس فعلت المعصية فلا نطاوعها، حينئذٍ لا يكون أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنتُ وإن أساءوا أسأتُ. لا، هذه قضية أخرى غير القضية التي نحن معها.

وطّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا أنفسكم باتّباع الإساءة.

الفرق بين اتباع الناس في الخير وبين كون المرء إمّعة يتبع المعصية

والواحد يكون إمّعة، إمّعة هذه تعني مع الرائج؛ الناس ينتشر فيها النفاق فننافق، ينتشر فيها الغش فنغشّ، ينتشر فيها الكذب فنكذب، يكثر فيها الخداع فنخادع. لا، لا يكون أحد منكم إمّعة.

فيكون إذن هناك فرق بين قوله تعالى:

﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

وهو عينه:

﴿خُذِ ٱلْعَفْوَ وَأْمُرْ بِٱلْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْجَـٰهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]

وهو عينه: «إذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم، ومن شذّ شذّ في النار»، وهو عينه: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن».

وبين الإمّعة، لماذا؟ لأننا هنا نطيعهم من خلال طاعة الله، وإنما أنا هنا في الوضع الآخر أطيعهم من خلال معصية الله، هناك فرق. إذن يوجد فرق بين أن أطيع من خلال طاعة الله وأن أطيع من خلال معصية الله.

حكمة الاستغفار بعد العبادة والشعور بالتقصير في أداء الواجب

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]

انظر إلى الحكمة الخاصة بالاستغفار، أنا أشعر أننا لم نقم بعملنا مائة في المائة، قل: أستغفر الله. ونحن لن نحصل على مائة في المائة أبدًا.

أنا أشعر ونحن نعيش هذا المجتمع لم نقم بواجبنا مائة في المائة، قل: أستغفر الله إن الله غفور رحيم.

هل ستناطح الدين؟ فالدين أمر عظيم جدًّا، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه. إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق.

التدرج في الدين والاستغفار عند العجز عن بلوغ الكمال

هكذا كان الأتراك عندنا يقولون لك: يا واش يا واش. ماذا تعني؟ قليلًا قليلًا، حسنًا، واحدة واحدة.

وهذا التدريج يجعلني متضايقًا ولم أعمل المائة بالمائة كاملة، وأنا أريد أن أعمل مائة بالمائة. ما الحل؟ قال:

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 199]

التأكيد على أن القرآن من عند الله لا يمكن أن يكون كلام بشر

والله ما هذا من كلام البشر، لا يصلح يا إخواننا أن يكون هذا كلام بشر أبدًا.

﴿وَٱسْتَغْفِرُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 199]

﴿أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾ [البقرة: 199]

لا، هذا أنت لو عشت مع القرآن هذا فليس ممكنًا أن تشكّ بعد ذلك، إلا أن هذا هو من عند الله ما فيه أيّ شك ولا ريب:

﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

ختام الدرس والإشارة إلى استكمال تفسير آيات المناسك في لقاء قادم

﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ﴾ [البقرة: 200]

هذا كلام آخر، فإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.