سورة البقرة | حـ 230 | آية 201 : 202 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح الله في سورة البقرة بعض أحكام الحج وينبه إلى حقيقة الحياة الدنيا والآخرة.
- •ينقسم الناس إلى فريقين: فريق يقتصر على طلب الدنيا فقط متأثرين بالفكر الغنوصي والداروينية الاجتماعية، وفريق يطلب الدنيا والآخرة معاً.
- •المؤمن الحقيقي يدعو: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
- •الدنيا ذات مكانة عظيمة، فالمؤمن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
- •الإنسان مستخلف في الأرض ومأمور بعمارتها، لكنها أيضاً مزرعة للآخرة.
- •خلق الله الخلق للعبادة، وقد أفلح من زكى نفسه وخاب من دساها.
- •الدنيا تقع بين الماضي (خلق الله) والمستقبل (اليوم الآخر).
- •للإنسان نصيب مما كسب، والله سريع الحساب.
- •القرآن واسع وحمّال أوجه يعطي من مراد الله ما تستقيم به الحياة.
- •ذكر الله هو البيئة التي يعيش فيها المؤمن وهو المقياس الصحيح للإيمان.
مقدمة الدرس والحديث عن أحكام الحج الأكبر في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وسورة البقرة، والله سبحانه وتعالى يشرح لنا ويأمرنا ويهدينا إلى بعض أحكام الحج الأكبر.
يقول ربنا في شأن أولئك الذين أدركوا الحقيقة، وأن الأمر ليس منحصرًا في الدنيا فقط؛ بل هذه الدنيا من خلق الله، خلقها الله ابتداءً، وكلّفنا الآن، ونعود إليه انتهاءً.
وهذه الإجابة على الأسئلة الكبرى تمثل منهج حياة مستقيم للإنسان.
الفكر الغنوصي والنظام العالمي الجديد وانحصارهما في الدنيا فقط
في مقابل منهج الحياة المستقيم، نجد أن بعض الناس يدعو إلى الاقتصار على الدنيا؛ قديمًا في الغنوصية قالوا: «ليس لي شأن، أنا آتٍ من أين لا أتدخل، أنا ذاهب إلى أين بعد الموت لا علاقة لي بذلك».
والآن قالوا: «نحن نريد أن نتمتع بكل ما يمكن أن نتمتع به». سيطرت الغنوصية، وهذا مذهب فلسفي شكله هكذا: أنه ليس هناك إلا الدنيا.
الكلام يعيد نفسه في الاجتماعية؛ جاء داروين وقال لهم بالمناسبة: «أنت كنت قردًا، والقرد أصبح إنسانًا»، وأصله والطفرة في انتقال الأصلح. وأخذوا هاتين الكلمتين من داروين صاحب نظرية الحياة ودراسة الحيوان إلى علم الاجتماع.
وجاء نيتشه وقال: «هذا نسبي كله»، وأصبح فيما يُعرف منذ ثلاثمائة سنة. والآن لكن اشتدّ قليلًا النظام العالمي الجديد، وما هو النظام العالمي الجديد هذا؟ قال: «ليس لي شأن إلا بالدنيا فقط»، كل واحد يبقى في حاله.
الفرق بين من يطلب الدنيا فقط ومن يجمع بين الدنيا والآخرة
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا﴾ وما له في الآخرة من خلاق [البقرة: 200]
يعني: وما له في الآخرة من نصيب.
﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]
فهذا [الداعي بالحسنتين] لا ينفي الدنيا، وليس درويشًا كما يقولون، ولا يريد أن يُلغي الدنيا ويُلغي مناهج التعامل معها أبدًا؛ ولكن يضعها في السياق الصحيح.
فلا يفصل الدنيا عن الحقيقة الماضية وهي أن الله خلقها، ولا يفصل الدنيا عن الحقيقة اللاحقة وهي أننا سنعود في يوم آخر نُحاسَب فيه أمام الله على الخير والشر، عقابًا وثوابًا.
ولا يفصل الدنيا فيتركها ويقول:
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الْآخِرَةِ﴾ وما له في الدنيا من خلاق [البقرة: 200]
الله ليست هذه الثنائية قطعة واحدة؛ الماضي والحاضر والمستقبل قطعة واحدة، نريد الدنيا والآخرة الاثنتين معًا، وليس واحدة وواحدة، وليس قطعة وقطعة.
دعاء المسلمين الذي علّمهم إياه رب العالمين وحقيقة العارفين
لا، هذا دعاء المسلمين الذي علّمهم إياه رب العالمين، وليس هم الذين كتبوه. لا، هذا هو كما هداكم.
ومنهم من يقول العارفون الحقيقة:
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
﴿وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185]
أولئك لهم نصيب مما كسبوا. أولئك الذين يعلمون الحقيقة، الذين يتبرؤون من الفكر الغنوصي، الذين يُدركون مكانة الدنيا ومكانها.
مكانة الدنيا ومكانها بين الماضي والمستقبل في ضوء الآيات القرآنية
مكانة الدنيا: لن أتركها؛ المؤمن القوي خير وأحب عند الله، أحب المؤمن القوي من المؤمن الضعيف.
مكانة الدنيا: أمرنا بعمارتها:
﴿هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [هود: 61]
مكانة الدنيا:
﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]
لكنها أيضًا هي مزرعة للآخرة، لكنها أيضًا فيها:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
وفيها:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]
مكانة الدنيا لكن مكانها أين؟ بين الماضي والمستقبل، بين خلق الله وبين اليوم الآخر.
معنى نصيب الناس مما كسبوا وسرعة حساب الله الكريم
إذن، أولئك لهم نصيب مما كسبوا. ماذا إذن كسبوا؟ ماذا كسبوا؟ العمل الصالح في هذه الحياة الدنيا من عبادة وعمارة وتزكية.
لهم نصيب مما كسبوا. وهذا النصيب، نصيب يعني وافر أم نصيب قليل ونصيب شرير؟
والله سريع الحساب [البقرة: 202]
من صدر عن من؟ هذا من الله الكريم الواسع العفو الغفور الذي تجلّى على خلقه أول ما تجلّى بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم». هو الذي سيحاسبك، وسريع الحساب يعني لا يؤخر أجرك، يبقى النصيب وافرًا والنصيب طيبًا.
ذلك لو كانت «أولئك» راجعةً على الآية الأخيرة:
﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
أولئك لهم، فلنفترض أولئك أي أن الصنفين ينطبق عليهما القول، ينطبق عليهما أن يعودا إلى الذين يطلبون الدنيا فقط والذين يطلبون الدنيا مع الآخرة.
وبذلك يبقى الكلام عامًا كما هو عام فعلًا؛ أولئك لهم نصيب قد يكون هذا النصيب خيرًا أو شرًا، وافرًا أو قليلًا مما كسبوا، أي كل واحد بحسبه، كل واحد منهم.
والله سريع الحساب [البقرة: 202]
ما هذا؟ هذه تصلح هكذا وتصلح هكذا، والقرآن واسع، والقرآن حمّال أوجه، ولا يزال يعطيك من مراد الله ما تستقيم به الحياة أبدًا.
الأمر بذكر الله بعد مناسك الحج وأهمية جعله بحرًا للحياة
يقول ربنا بعد كل هذا:
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 203]
مرةً أخرى. أجل، ما اتفقنا بالفعل أن هذه هي البيئة التي يعيش فيها الإنسان، البحر الذي يقوم فيه هو بحر الذكر، ذكر الله.
سل نفسك: هل جعلت لنفسك حصة من الذكر كل يوم؟ وليسأل كل إنسان ممن يُبعثر الكلام هنا وهناك نفسه صادقًا مع ربه: هل يذكر ربه؟ هذا هو المقياس الصحيح.
ذكر الله، هكذا نرى القرآن وهو يدعونا إلى ذكر الله، فلا إله إلا الله والله أكبر.
