سورة البقرة | حـ 231 | آية 203 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تتحدث الآية الكريمة "واذكروا الله في أيام معدودات" عن أيام التشريق وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة مع يوم العيد.
- •نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق وقال إنها أيام أكل وشرب.
- •يُحرم الصيام في خمسة أيام: العيدين وأيام التشريق، ويضاف إليها يوم الشك ليصبح ستة أيام.
- •عيد الأضحى أربعة أيام ويستمر وقت التضحية من يوم العيد حتى غروب شمس اليوم الثالث عشر.
- •يستمر التكبير حتى عصر اليوم الثالث عشر من ذي الحجة.
- •من تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه لمن اتقى.
- •التأخر يكون بسبب الشوق إلى الذكر والعبادة، ويجد المتأخر سكينة ورحمة خاصة.
- •العبادة تكون على قدر الطاقة، فالله لا يمل حتى يمل العبد.
- •التقوى مرتبطة بتذكر اليوم الآخر واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون.
مقدمة الدرس وبيان الأيام المعدودات في سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا بعض أحكام الحج:
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْدُودَٰتٍ﴾ [البقرة: 203]
والأيام المعدودات هي أيام التشريق: يوم العيد وهو يوم العاشر من ذي الحجة، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. هذه أيام تسمى أيام التشريق.
النهي عن صيام أيام التشريق والأيام المنهي عن صيامها
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيامها [أيام التشريق] وقال:
«هذه أيام أكل وشرب»
فالإنسان يحرم عليه أن يصوم هذه الأيام مع يومي العيد، فيبقى المنهي عنه خمسة أيام، مع يوم الشك الذي هو يوم الثلاثين من شعبان والذي يمكن أن يكون واحد رمضان، يبقى المنهي عنه ستة أيام.
وقد ورد في الحديث: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام خمسة أيام: العيدين وأيام التشريق». وفي الحديث الآخر: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيام ستة أيام وهي: العيدان وأيام التشريق ويوم الشك».
ليس هناك تعارض ولا شيء في ذلك؛ بيانٌ: نهى عن صيام العيدين فيبقى يومان، نهى عن صيام خمسة أيام، نهى عن صيام ستة أيام بالتدريج هكذا، ما من تناقض هنا؛ لأن كل حديث يشمل الذي قبله وأكثر.
حرمة الصيام في أيام التشريق وتسميتها بالعيد الكبير
الحادي عشر، الثاني عشر، الثالث عشر يحرم عليك فيها الصيام. وهذه الأيام مع يوم العيد يسمى العيد الكبير؛ لذلك عيد الفطر يوم واحد، وعيد الأضحى أربعة أيام ويحرم فيها الصيام.
وقت الأضحية من يوم العيد حتى مغرب الثالث عشر من ذي الحجة
موضع الأضحية: فأنا بعد ما أصلي صلاة عيد الأضحى مع الإمام أُضحّي.
فإلى متى نستمر في التضحية؟ إلى أذان اليوم الثالث من أيام التشريق، الذي هو الرابع من أيام العيد، الذي هو يوم الثالث عشر [من ذي الحجة]. فمن الممكن أذبح إما في العاشر أو الحادي عشر أو الثاني عشر أو الثالث عشر حتى المغرب.
فإن أذان المغرب الخاص بيوم الثالث عشر قد فات وقت الأضحية تمامًا، فات وقت الأضحية وانتهى.
التكبير بعد الصلوات في أيام التشريق ووقت انتهائه
وفي هذه الأيام [أيام التشريق] نجدنا بعد أن نصلي نكبّر ونستمر في التكبير حتى عصر اليوم الثالث الذي هو الرابع في العيد، اليوم الثالث للتشريق. نكبّر بعد المغرب ولا نكبّر بعد ذلك؛ لأنه قد انتهى وقت الأيام المعدودات.
فالأيام المعدودات هي عبارة عن يوم العيد ومعه ثلاثة أيام التشريق التي يقضونها هناك في الحج في منى.
التعجل والتأخر في منى وسعة الشريعة في ذلك
﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: 203]
أقام في الحادي عشر والثاني عشر وأخذ متاعه وانصرف من منى:
﴿فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]
﴿وَمَن تَأَخَّرَ﴾ [البقرة: 203]
إلى اليوم الثالث، يعني فجاء بثلاثة عشر:
﴿فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]
والله، وهذا ما يبين لك سعة الشريعة، يبين لك أنه يجب عليك أن تعبد الله بشوق وليس بإثبات حالة.
العبادة بشوق وعلى قدر الطاقة لا لإثبات الحالة
لا تقم هكذا تصلي عشرين ركعة وكلها بسرعة هكذا، من غير تدبر ولا تأنٍّ ولا أي شيء، فقط لكي تقول لنفسك إنك صليت عشرين ركعة. لا! فليعبد أحدكم ربه على طاقته، يعني على قدر طاقته.
فإن الله لا يملّ حتى تملّوا، فلو مللت من العبادة فإن ربنا يعرض عنك.
التعجل لمن فقد الشوق والتأخر لمن أحرق قلبه الذكر
ولذلك فمن تعجل في يومين لأن الشوق غير موجود، يذهب ليطوف طواف الإفاضة إذا كان لم يطف، وكذلك يذهب يزور سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] إذا لم يكن قد زاره كذلك.
﴿وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]
والتأخر هذا يكون تأخرًا بسبب الشوق؛ أحرق قلبك الشوق إلى الذكر، قلبك غير قادر، ملتهب كذلك هو، ويطفئه الذكر.
فضل البقاء في اليوم الثالث من أيام التشريق والسكينة التي تتنزل
من جرّب البقاء في اليوم الثالث وهم قلة؛ لأن ربما إذا كان الحجاج مليونًا وتسعمائة وخمسين ألفًا ينصرفون بعد اليوم الثاني، فإن خمسة وتسعين في المائة ينصرفون بعد اليوم الثاني.
من جرّب البقاء وجد سكينة ورحمة تتنزل لها مذاق خاص، غير المذاق الذي كان في اليومين اللذين قبل ذلك.
﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ [الجمعة: 4]
يجد روحه في جو آخر.
ذكر الخلوة وذكر الجلوة والمعاني التي تتحقق في كل منهما
قلنا مرة أن الذكر منه ذكر الخلوة وذكر الجلوة. الجلوة تكون وأنت تطوف بين الصفا والمروة هكذا، أناس أمم وهي تسبح الله، فيُحدث لك الله هذه معانٍ.
وأنت وحدك يحدث لك معانٍ أخرى. فأنت في اليوم هذا [اليوم الثالث من التشريق] تحدث لك معانٍ أخرى من السكينة والرحمة والهدوء النفسي وجلاء الروح وشفافيتها، وترى الدنيا برؤية أخرى.
التقوى هي الغاية من التعجل والتأخر وربطها باليوم الآخر
﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ﴾ [البقرة: 203]
العبرة هنا وهنا ماذا؟ التقوى. لا تفعل شيئًا لإثبات الحالة، افعل شيئًا بما يرضي الله وبما يجعلك مشتاقًا لذكر الله.
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203]
دائمًا التقوى يربطها لك [القرآن] بحكاية اليوم الآخر؛ لأن تذكّر اليوم الآخر يساعدك على التقوى.
تعريف سيدنا علي للتقوى وربطها بالإيمان باليوم الآخر
من هنا رأينا سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] وهو يقول:
ما التقوى؟ قال: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاكتفاء بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
هو ربطها أيضًا بماذا؟ بـ﴿إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203]، اليوم الآخر. والإيمان بالله والتكليف في الدنيا شيء واحد.
﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِى ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [البقرة: 201]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
