سورة البقرة | حـ 233 | آية 208 : 210 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 233 | آية 208 : 210 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يفسر النص الآية "يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة" مبيناً أن المقصود هو السلم ضد الحرب وليس الإسلام.
  • السلم هو الأصل في الكون، والاتساق والوفاق هما القاعدة، لا الشقاق والصراع كما يدعي بعض المفكرين.
  • من يقدم الحرب غير الضرورية على السلم يتبع خطوات الشيطان، وخاصة الحروب الاستباقية أو حروب السيطرة على موارد الآخرين.
  • عبادة الشيطان لا تقتصر على طقوس معينة، بل تشمل كل من عصى الله وأقام نظاماً بعيداً عن شريعته.
  • المعصية قد تكون جزئية يتبعها توبة، وقد تكون نظاماً كاملاً ينحي الألوهية جانباً.
  • من زل بعد وضوح البينات فليعلم أن الله عزيز حكيم، لا يسوي بين الناس بل يعطي كل إنسان بحسب عمله.
  • الله عليم بذات الصدور، والكل مكشوف له، الظاهر والباطن، ولا داعي للاستعجال باللقاء.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تلاوة آية الدخول في السلم من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱدْخُلُوا فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 208]

وهنا نداء للمؤمنين وخطاب لهم: يا أيها الذين آمنوا، ولم يقل يا أيها الناس.

معنى السلم في الآية هل هو ضد الحرب أم بمعنى الإسلام

فلما قال ادخلوا في السلم دلّ ذلك على أن السلم الذي هو ضد الحرب وليس هو السلم الذي بمعنى الإسلام؛ لأنه لو قال: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في الإسلام، على ما حمله عليه بعض المفسرين، لكان هناك شيء من المفارقة؛ لأنه يا أيها الذين آمنوا يعني أن يكونوا مسلمين.

فعندما يقول: يا أيها المسلمون ادخلوا في الإسلام، يصبح فيها مفارقة وتحتاج إلى تأويل؛ لأنه من الممكن أن يكون كذلك بمعنى الدعوة إلى الاستمرار، يا أيها الذين آمنوا أي استمروا في الإيمان.

عندما يصبح كذلك عندما يصبح: يا أيها المسلم أسلم، يعني استمر في الإسلام أو أحسن إسلامك. يا أيها الذين آمنوا أي أحسنوا إيمانكم، يعني أتموه وليس بمعنى أنشئوه.

ترجيح معنى السلم بأنه ضد القتال والأصل في الكون الوفاق لا الشقاق

أما لو جعلناها على حدّ: يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم الذي هو ضد القتال، لكان ذلك أولى؛ لأنه قد أمر المؤمنين أن يقدموا السلم على القتال؛ لأن الأصل في الكون الاتساق لا الشقاق.

الأصل في الكون الاتساق والوفاق لا الشقاق. هو الأصل في الكون التكامل لا الصراع.

بعض الفكر الآخر يقول: لا، يقول لك إن هذا هو الأصل فينا الصراع، ولذلك يجب أن نبحث لنا عن عدو نقاتله. فإذا فقد العدو أنشأوا من أذهانهم عدوًا، مثل الحالات التي نحن فيها: السوفييتي ذهب، سننشئ أي شيء، نأتي بالصين، نأتي بالمسلمين، نأتي بأي شيء. صراع! يقول لك: صراع الحضارات.

أمر الله بتقديم السلم على القتال ومن خالف ذلك اتبع خطوات الشيطان

ربنا عندما علّمنا أن الأصل هو الوفاق وليس الشقاق:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱدْخُلُوا فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً﴾ [البقرة: 208]

جميعكم. فماذا عن الذي لا يدخل في السلم ويقدم السلم على النزاع والقتال والحرب؟

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ﴾ [البقرة: 208]

يكون الحرب إذن لا ضرورة لها، والحرب الاستباقية، والحرب التي ليست لدفع العدوان ولا لصد الطغيان، والحرب التي هي لاستعمار الخلق والسيطرة على مواردهم وخاماتهم، والحرب التي من أجل أن تنقل الثروات من أقوام رزقهم الله بها إلى أقوام آخرين لأنهم أقوى، والحرب التي هي فساد في الأرض، من قدّمها على السلم فهو من متّبع خطوات الشيطان.

قصة الشيطان في مواجهة آدم ومعنى عبادة الشيطان الحقيقية

والشيطان هذا قصة في مقابلة آدم، قصة في مواجهة عبادة الله. القصة تتلخص في أن الله قد أمرنا بعبادته، وأنه إذا ما تخلى الإنسان عن عبادة الله عبد الشيطان.

عبادة الشيطان ليست أن تأتي بتمثال للشيطان وتسجد له وتنظر في عينيه اليمنى وفي عينيه اليسرى، مثل الطقوس الخاصة بعبادة الشيطان في شيكاغو. بل إن عبادة الشيطان يقع فيها كل من عصى الله.

ولكن عصيان الله قد يكون جزئيًا: أقع في الذنب هكذا، أقع في الشهوة، أقع في المعصية وأتوب. وقد يكون نظامًا: نظام نُحّي قضية الألوهية، نُحّي الوحي من الأخذ به، وعاش يعتقد أنه يعيش وحده. لا، بل هو يعيش في ظلال الشيطان، يعبد الشيطان.

المقابلة بين حزب الله وحزب الشيطان ومن خرج عن نظام الله فقد عبد الشيطان

فالحكاية هنا فيها مقابلة: فيها حزب الله وحزب الشيطان، فيها عبادة الله وعبادة الشيطان.

﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 44]

هو [أبو إبراهيم] لم يكن يعبد الشيطان، هذا كان يعبد أوثانًا، وكذلك إلى آخره، وله قصة سيدنا إبراهيم. ولكن الذي يخرج عن عبادة الله لأي نظام كان سوى النظام الذي ارتضاه الله لخلقه فهو يعبد الشيطان، عمل الشياطين.

فمن قدّم الصراع على الوفاق، ومن قدّم الحرب على السلم، وجعل الحرب هي الأساس الذي يتمكن به في الأرض، فقد قدّم عبادة الشيطان على عبادة الله.

﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 208]

عدو واضح.

عداوة الشيطان الواضحة وخطورة إنكار وجود الله وعبادة الشيطان

ولذلك حتى اليوم عندما نقول شيطان يقول الناس: ماذا يعني؟ ما لا ترضي، يعني أنه شيطان أم عبادة شيطان، يأبى هذا.

حتى قال بعض الناس: لا يوجد ربنا، يجب أن نسبّ ربنا! هذا أمر تقشعر منه [الأبدان]، كهذا:

﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]

ولكن [هذا] كفر، فماذا تفعل؟ وليس بعد الكفر ذنب. فعندما يأتي يعبد الشيطان، فهو ليس عنده مانع أن يعبد الشيطان.

﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 208]

يعني ليس من أجل مناقشة الشيطان، نعم [هو عدو واضح لا يحتاج إلى برهان].

التحذير من الزلل بعد مجيء البينات والفرق بين النظام الإلهي والنظام الشيطاني

﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ﴾ [البقرة: 209]

فخرجتم من عبادة الله إلى عبادة الشيطان بعدما تبيّن لكم الأمر. هناك نظام إلهي فيه تكليف وفيه للإنسان تشريف، فيه أمر ونهي ومنهج ونظام. وهناك نظام شيطاني يسير الإنسان فيه طبقًا لهواه وشهوته.

تبيّن لكم هذا [النظام الإلهي] وتبيّن لكم ذاك [النظام الشيطاني] فزللتم. زللتم! انظروا إلى هذه: زللتم يعني انزلقتم هكذا من الثبات الذي كنتم عليه وأنتم تعبدون الله إلى الحضيض في عبادة الشيطان.

﴿مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْكُمُ ٱلْبَيِّنَـٰتُ﴾ [البقرة: 209]

معنى اسم الله العزيز الحكيم وعدله سبحانه في محاسبة العباد

﴿فَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209]

أول ما تقول: عزيز حكيم وليس رؤوف رحيم. عزيز: قوي شديد المحال، ولكنه حكيم: لا يسوّي بين غير المتساويين.

فلكل واحد نصيبه بحسب [عمله]؛ فمنهم من زلّ عشرين في المائة، ومنهم من يؤدي خمسين في المائة، ومنهم من زلّ مائة في المائة، ومنهم من زلّ وأزلّ غيره، ومنهم من يؤدي وحده.

فالله وهو عزيز وذو انتقام إلا أنه حكيم سبحانه وتعالى. هو حكيم وهو عليم أيضًا، وعليم بذات الصدور، ولا يغيب عليه شيء في السماء ولا في الأرض، لا في السابق ولا في اللاحق. الكل مكشوف له سبحانه وتعالى، الانكشاف التام: الظاهر والباطن.

تحذير المنكرين من يوم القيامة حين يأتي الله في ظلل من الغمام

﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَقُضِىَ ٱلْأَمْرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210]

بعض الناس لا يؤمنون بالغيب، أما الألوهية فينحّونها من أذهانهم، لا يفكرون فيها ولا يعرفون أنه يوجد ربنا. وأما الملائكة فيقولون عنهم: الملائكة؟ لم نرهم!

هؤلاء لما نحّوا الله وجاء النظام الشيطاني مكان عبادة الله، وطلبوا بأن يرجعوا مرة أخرى إلى الله فقالوا: نحن لا نرى شيئًا، لا نرى الله ولا نرى الملائكة.

﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ ٱلْغَمَامِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ﴾ [البقرة: 210]

أنتم لا تعلمون إن حدث ذلك ماذا سيحدث؟ فذلك يوم القيامة وقد قُضي الأمر، وإلى الله ترجع الأمور. وبهذا الشكل ستدخلون النار.

لماذا أنتم مستعجلون على رزقكم؟ وإلى لقاء آخر، ولكن أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.