سورة البقرة | حـ 235 | آية 212 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 235 | آية 212 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يبين القرآن في سورة البقرة أن الله زين للذين كفروا الحياة الدنيا وجعلهم يسخرون من المؤمنين.
  • الزينة تعني جمالاً وجاذبية وشهوة تجعل الكافر يتمسك بها عن قناعة وإرادة، فهو ليس مكرهاً على كفره.
  • يرى الكافر كفره زينة يحبها ويدافع عنها، مما يجعله لا يقلق أو يحزن على كفره.
  • هذا يتطلب من الداعية الصبر والتلطف والنصح، لأن الكافر سيترك شيئاً يحبه إذا أسلم.
  • المسألة في جوهرها قضية كفر وإيمان، عبادة الله أو عبادة الشيطان.
  • الكفار لا يتركون المؤمنين في حالهم بل يسخرون منهم كما ورد في سورة المطففين.
  • الله أرجأ الحساب إلى يوم القيامة حيث سيكون المؤمنون فوق الكافرين.
  • ديننا لا يكره أحداً عليه، والمؤمن يحزن إذا لم يفهمه الناس ويدعو لهم بالهداية.
  • الله يرزق من يشاء بغير حساب في الدنيا والآخرة، يرزق الهداية والأرزاق.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة تفسير آية تزيين الحياة الدنيا للكافرين من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة البقرة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: 212]

وبعد ذلك في وقفة لا بد منها، لا بد أن تقف [عند هذه الآية]. بعد أن قصّ الله [سبحانه وتعالى] النمطين: نمط عبادة الله، وفي مقابله نمط عبادة الشيطان، أخذ يصف هذا النمط الذي عبد الشيطان من دون الله، فقال يصف حاله:

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 212]

معنى التزيين وأثره في انجذاب الكافر إلى الحياة الدنيا وتمسكه بها

زُيِّنَ فيها جمال الزينة، وفيها جاذبية الزينة، وفيها شهوة؛ فإن الإنسان ينجذب إليها ويحبها فيتمسك بها. تبقى الزينة فيها إمساك، هذا [الذي زُيِّن له] ليس شيئًا قبيحًا [في ظاهره]، هذا مموّه ومزيّن في الظاهر.

ولذلك وهو ذاهب إليه، ذاهب عن قناعة؛ فالزينة فيها قناعة، ليس هناك أحد مُكرَه عليها. لا يأتي يوم القيامة ويقول إنني كنت مُكرَهًا على هذا [الكفر]، لا! هذا ربنا يبيّن لنا حقيقة نفسية، وهو أن هذا الكافر يرى ما يفعله زينةً، فهو يحبها ويتمسك بها ويدافع عنها، ذهب إليها بإرادته وبشهوته.

صعوبة دعوة الكافر المتمسك بالدنيا وضرورة صبر الداعية وتلطفه

وهذا يؤدي بنا إلى ماذا؟ [يؤدي إلى أنه] لأنه لا يقلق من كفره، لأنه لا يحزن على كفره؛ فبمجرد أن تأتي لتقول له تعالَ آمِن، يقول لك: نعم أنقذني من جهنم التي أنا فيها هذه! إلا من وفّقه الله، لكن الأصل أن هذا [الكافر] ثابت فيها [في الدنيا المزيّنة].

طبعًا وهذا يجعلك تفعل ماذا أيها الداعية؟ [يجعلك تلتزم] الصبر وطول البال والتلطف مع الاعتذار [للمدعو]. لماذا؟ الله يكون في عونه! هذا [الكافر] سيترك شيئًا يحبه كثيرًا. هذا الإنسان يقول لك: ما عندي هذا أنا أحبه كثيرًا، ويضع يده هكذا [متمسكًا بالدنيا]، يعني الدنيا متمكنة منه. تقول له اتركها، فلماذا أتركها؟ فهذا فيه خراب.

عظم ثواب من غلب هواه وترك عبادة الشيطان إلى عبادة الله

زُيِّنَ أن تقف هكذا تسرح مع الزينة، هذه زينة للذين كفروا. إذن المسألة ليست سهلة، ولذلك إذا استطاع [الإنسان] أن يغلب هذه الزينة ويغلب هواه وشهوته وحبه وانجذابه، ويضحّي بعبادة الشيطان، يضحّي إلى هذه الدرجة، هو لديه هكذا [تعلّق شديد بالدنيا] فيبقى ذلك له ثواب كبير عند الله.

ولذلك القضية هي هكذا: هي قضية كفر وإيمان، قضية عبادة الله وعبادة الشيطان. ولذلك تهون المعاصي إزاء الكفر؛ يقول لك الله: أنت عاصٍ شديد جدًّا، لكن هذا رجل كافر ومؤدّب، نعم هو قلبه كله في عبادة الشيطان، مصيبة!

الصفة الأولى للكافرين وواجب الداعية من الصبر والنصيحة والرجاء

﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 212]

هذه هي الصفة الأولى [من صفات الكافرين في الآية]، وعرفنا ما فيها وما على الداعية إزاءها من صبر وطول بال وتلطّف ونصيحة، ورجاء أن يهديه الله على يديه؛ لأن:

قال رسول الله ﷺ: «لأن يهدي الله بك رجلًا خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»، وفي رواية: «خيرٌ لك من حُمر النَّعَم»

المسألة الثانية [في الآية]:

﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: 212]

ما [معنى ذلك]؟ لا يتركوا المؤمن إذن في حاله!

مبدأ الحرية في الدين وعدم الإكراه بين المؤمنين والكافرين

ونتفق هكذا اتفاقًا أن يتركونا ندخل الجنة على راحتنا، ونحن نتركهم يدخلون النار على راحتهم:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]

ماذا فعل الله؟ أرجأ الحساب يوم الحساب [يوم القيامة]. في الدنيا نترك بعضنا:

﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الغاشية: 22]

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

أي اتركهم وأتركني أنا أيضًا.

مطالبة الكافرين بالحرية في اتجاه واحد وسخريتهم من المؤمنين

الله! هل أنا تركتك تدخل النار براحتك وأقول لك هذا طريق النار وآخرها نار؟ قال لي: ليس لك شأن. قلت له: حسنًا، لكم دينكم ولي ديني، امضِ كما تشاء. قالوا: وجميع المعاصي من شُعَب الكفر، أي من هذا الطريق أيضًا.

المعاصي [أصحابها يقولون]: اتركني إذن في حالي! أنا أرى أن هذا طريق الجنة، أليست حرية؟ هي ما تتركني أمضي أنا والناس أصحابي في طريق الجنة؟ قال: لا، أنتم أناس مفسدون!

ما وجه الإفساد؟ إن أنتم لستم آتين معنا لكي نذهب إلى النار معًا! يا أخي ما لي نفس يا أخي!

مفهوم الحرية الحقيقية والعدل في ترك كل إنسان يختار طريقه

الله! هل الحرية في اتجاه النار فقط؟ أم الحرية أن الذي يريد أن يذهب إلى النار يذهب، والذي يريد أن يذهب إلى الجنة يذهب؟ نريد أن نفهم فقط أين هي الحرية.

العدل يقول إنك تتركه حرًّا:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]

فمن شاء أن يذهب إلى النار فليذهب، لا مانع لدينا، ومن شاء أن يذهب إلى الجنة فلا مانع فليذهب، لا مانع لدينا. ولكن يا أخي سبحان الله، تراهم يسخرون منك! الله!

سخرية المجرمين من المؤمنين في الدنيا وانقلاب الحال يوم القيامة

فلماذا [يسخرون]؟ يقول الله تعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوٓا إِنَّ هَـٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ * وَمَآ أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَـٰفِظِينَ * فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: 29-36]

هذه الحكاية [مذكورة في] آخر [سورة] المطففين.

فوقية المتقين يوم القيامة والصبر في الدنيا ورزق الله بغير حساب

هنا أيضًا كذلك يقول [الله تعالى]:

﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [البقرة: 212]

أجّلها [الله] إلى الآخرة. فماذا نفعل هنا إذن؟ اصبر إذن.

﴿وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: 212]

في الدنيا وفي الآخرة، يرزق الهداية ويرزق الأرزاق.

هذا ديننا: لا نُكرِه أحدًا عليه، ونحزن إذا لم يفهمه الناس، وندعو الله سبحانه وتعالى بالهداية ونقول:

«اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون»

وإلى لقاء آخر، شيء نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.