سورة البقرة | حـ 240 | آية 216 | تفسير القرآن الكريم | أ د علي جمعة
- •الجهاد في الإسلام يشمل جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر الذي يستمر طوال العمر.
- •الجهاد الأصغر هو القتال في سبيل الله، وهو مختلف عن القتل، فالقتل جريمة والقتال جهاد.
- •القتال مخالف للأصل لأن الله أمرنا بالدخول في السلم كافة، ولذلك فُرض القتال رغم أنه مكروه للنفس.
- •القتال يكون في سبيل الله بشروط محددة، ليس لأجل الهوى أو السيطرة أو الاستعمار.
- •قد تكره النفس القتال وهو خير لها، وقد تحب عدم القتال وهو شر لها لأن العدو لا يسكت بل يفسد في الأرض.
- •الدفاع عن النفس والأرض والعرض والدين ومستقبل البشرية يتطلب استخدام السلاح ليس للفساد بل للإصلاح.
- •الله يعلم وأنتم لا تعلمون، فهناك أشياء ظاهرها القسوة وباطنها الرحمة، وأخرى ظاهرها الرحمة وباطنها الفساد.
- •تؤكد الأحداث أنه ما ترك قوم الجهاد إلا ذلوا.
مقدمة الدرس والافتتاح بالدعاء مع سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة البقرة، وندعو الله سبحانه وتعالى أن يشرح صدورنا وأن يفتح علينا فتوح العارفين به.
معنى الجهاد في الإسلام وشموله لجهاد النفس والجهاد الأكبر
يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر جانبًا من جوانب الجهاد، والجهاد في الإسلام له معنى؛ الجهاد الروحي في الإسلام يشمل جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر، أي أن الإنسان يجاهد نفسه سواء كُتب عليه القتال أم لم يُكتب عليه.
قد يكون القتال في شهر أو شهرين أو في سنة أو سنتين، لكنه لا يكون طوال العمر كله، ولكن الجهاد الأكبر يكون طوال العمر كله.
وهناك الجانب الأصغر وهو القتال في سبيل الله، والقتال بخلاف القتل؛ فالقتل جريمة، والقتال في سبيل الله جهاد يبيع فيه الإنسان نفسه لربه ويدافع عن قضية بعمارة الأرض لا لتدميرها.
القتال خلاف الأصل في الإسلام والأمر بالدخول في السلم
والقتال خلاف الأصل؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن ندخل في السلم كافة:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱدْخُلُوا فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 208]
فلما كان القتال جزءًا من الجهاد، وكان القتال فيه قتل، والقتل بمجرده جريمة، وكان القتال لا بد أن يكون في سبيل الله؛ يضع الله لنا شروطه ويبين أحواله.
معنى كتب عليكم القتال وأنه بأمر الله لا بأمر النفس والهوى
فقال سبحانه وتعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ﴾ [البقرة: 216]
كُتب لنُسلّي أنفسنا أن الذي نفعله لا نفعله بأمر أنفسنا ولا لهواها، ولا من أجل هيمنة ولا سيطرة ولا استعمار ولا فساد في الأرض، إنما الذي نفعله مؤتمرين بأمر الله سبحانه وتعالى.
كُتب عليكم الصيام يعني فُرض عليكم الصيام، كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية يعني فُرض عليكم ذلك، كُتب عليكم القتال يعني فُرض عليكم القتال.
القتال مخالف للأصل مكروه للنفس البشرية فيه تكليف ومشقة
فبذلك يكون [الله سبحانه وتعالى] قد كتب شيئًا مخالفًا للأصل أو أنه يكون قد كتب شيئًا موافقًا للأصل؟ مخالفًا للأصل.
﴿وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]
يبقى القتال مخالفًا للأصل، والقتال تكرهه النفس البشرية، والقتال فيه تكليف ومشقة، والقتال يحتاج منك إلى أن تضغط على نفسك وأن تقاوم هواك وشهوتك وأن تذهب إلى القتال في سبيل الله.
ليس [القتال] شيئًا يُسَرّ به الإنسان ولا شهوة يشتهيها الإنسان، وإلا كان دمويًّا، وإلا كان قاتلًا. والمقاتل الباسل البطل النبيل بخلاف القاتل تمامًا.
الفرق بين القتال المشروع والقتل المحرم كالفرق بين الزواج والزنا
مثل الفرق ما بين الزواج والزنا؛ فإن الزواج معتبر محترم، وإن الزنا هدر لا قيمة له وماؤه هدر ولا تترتب عليه آثار الزواج.
هناك فرق بين الحلال والحرام، فهناك فرق بين السماء والأرض بين القتال والقتل؛ فالقتل جريمة تستوجب الخلود في النار، والقتال [في سبيل الله] صفقة بين العبد وربه يدخله الله بها الجنة.
عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وحكمة القتال في صد العدوان
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]
يسألنا الآن:
﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]
يعني أنتم تفعلون ذلك [القتال] رغمًا عنكم حتى تنالوا الخير الذي وراءه: صدّ العدوان ورفع الطغيان.
﴿وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّوا شَيْـًٔا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 216]
[أي تحبوا] عدم القتال والبعد عنه، فهذا ما تحبه النفس وهو شر لكم؛ لأنه لن يسكت، فالطرف الآخر لا يسكت بل يفسد في الأرض.
مثال واقعي على خطورة ترك الاستعداد للقتال وإلقاء السلاح
فعندما قلت له [للعدو]: انتهينا نحن، ألغينا الجيش وأوقفناه، وصنعنا الأسلحة رميناها في البحر، فقال: تعال إذن يا أخانا، اتق الله. فقال: ليس هناك الله، ليس هناك الله.
هذا [العدو] ليس معنا [في الإيمان]، رميتَ الأسلحة؟ لا، هذا أنا متمكن قليلًا هو لكي أضربك به، الله عالم.
يجب الدفاع عن النفس، والدفاع عن الأرض، والدفاع عن العرض، والدفاع عن الدين، والدفاع عن مستقبل البشرية. يلزم شيء من وخز السلاح لا من أجل الفساد في الأرض، بل من أجل الإصلاح، من أجل ألا تُراق الدماء.
والله يعلم وأنتم لا تعلمون وحكمة اتباع أمر الله في الجهاد
﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]
حاجة عظيمة جدًّا هذه؛ لأن الآخرين يقولون: لا، نحن نعلم والله لا يعلم! الذي هو ضدها [أي ضد هذه الآية]، من الشيطان هذا.
﴿وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]
إذا كان هناك من الأشياء ما ظاهرها القسوة وباطنها الرحمة، وهناك من الأشياء ما ظاهرها الرحمة وباطنها الفساد؛ فأنا عندما أتبع أمر الله أتبعه لأنه أعلم.
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]
بلى يا رب، تعلم وتعلم أكثر مني ومن كل البشر، وتعلم حركة التاريخ.
علم الله المطلق بالخلق وتأكيد التاريخ أن ترك الجهاد يورث الذل
ولا يحتاج الأمر إلى تخيّل متخيّل ولا إلى رأي شخص قاصر محدود؛ الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ويعلم بهم.
إذ إن الأحداث كلها تؤكد ما أكده الله لنا، وتبين أنه ما ترك قوم الجهاد إلا ذلّوا.
اللهم يا ربنا أقمنا في جهادك في سبيلك، وتقبل منا صالح أعمالنا، إنك على كل شيء قدير. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
